بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ
بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ
1741 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَتَخَتَّمَ بِهِ فِي يَمِينِهِ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : " إِنِّي كُنْتُ اتَّخَذْتُ هَذَا الْخَاتَمَ فِي يَمِينِي ثُمَّ نَبَذَهُ وَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ " وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ
( بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَفِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَجَنَحَتْ طَائِفَةٌ إِلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الْأَحَادِيثِ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ حَيْثُ تَرْجَمَ : بَابُ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَبِ : يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَاَلَّذِي لَبِسَهُ فِي يَسَارِهِ هُوَ خَاتَمُ الْفِضَّةِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ ، فَكَأَنَّهَا خَطَأٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَقَعَ لَهُ وَهْمٌ فِي الْخَاتَمِ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ فِضَّةٍ وَأَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي كَانَ لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ هُوَ الذَّهَبُ انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَبِسَ الْخَاتَمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى يَسَارِهِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ ثُمَّ إِنَّهُ حَوَّلَهُ فِي يَسَارِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : طَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ تَخَتَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ . وَقَدْ جَمَعَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ ، ثُمَّ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ النَّسْخُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ بَلِ الْإِخْبَارُ بِالْوَاقِعِ اتِّفَاقًا .
قَالَ الْحَافِظُ : وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَصْدِ ، فَإِنْ كَانَ اللُّبْسُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ لِلتَّخَتُّمِ بِهِ فَالْيَسَارُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ كَالْمُودَعِ فِيهَا وَيَحْصُلُ تَنَاوُلُهُ مِنْهَا بِالْيَمِينِ ، وَكَذَا وَضْعُهُ فِيهَا ، وَيَتَرَجَّحُ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْيَسَارَ آلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ فَيُصَانُ الْخَاتَمُ إِذَا كَانَ فِي الْيَمِينِ عَنْ أَنْ تُصِيبَهُ النَّجَاسَةُ ، وَيَتَرَجَّحُ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ بِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ التَّنَاوُلِ انْتَهَى .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ ، وَعَلَى جَوَازِهِ فِي الْيَسَارِ ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَاخْتَلَفُوا أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ فَتَخَتَّمَ كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ فِي الْيَمِينِ وَكَثِيرُونَ فِي الْيَسَارِ ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْيَسَارَ وَكَرِهَ الْيَمِينَ ، وَفِي مَذْهَبِنَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا ، الصَّحِيحُ أَنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَالْيَمِينُ أَشْرَفُ وَأَحَقُّ بِالزِّينَةِ وَالْإِكْرَامِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَاقِدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكِنْدِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ .
قَوْلُهُ : ( صَنَعَ خَاتَمًا ) أَيْ أَمَرَ بِصُنْعِهِ فَصُنِعَ لَهُ ( مِنْ ذَهَبٍ ) أَيِ ابْتِدَاءً قَبْلَ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ ( ثُمَّ نَبَذَهُ إِلَخْ ) وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ الْمُشَارَكَةِ أَوْ لَمَّا رَأَى مِنْ زَهْوِهِمْ بِلُبْسِهِ . وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَصَادَفَ وَقْتَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ فَقَالَ : " لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا " وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ وَقَالَ : " لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا " ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَاِتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ ، قَالَ الْحَافِظُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ وَأَبُو الشَّيْخِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ بِسَنَدٍ
سَاقِطٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .
قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ .