---
title: 'حديث: 1753 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ا… | تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي'
canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37/h/370388'
url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37/h/370388'
content_type: 'hadith'
hadith_id: 370388
book_id: 37
book_slug: 'b-37'
---
# حديث: 1753 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ا… | تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

## نص الحديث

> 1753 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ الْأَجْلَحِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ اسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِهِ ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ( الشَّيْبُ ) نَائِبُ الْفَاعِلِ ( الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ ) بِالرَّفْعِ وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ وَالْكَتَمُ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَخْفِيفِ التَّاءِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْكَتَمُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَالْمَشْهُورُ التَّخْفِيفُ وَهُوَ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ وَيُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرُ أَسْوَدُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْوَسْمَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَصْبُغُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ . وَيُشْبِهُ أَنْ يُرَادَ اسْتِعْمَالُ الْكَتَمِ مُفْرَدًا عَنِ الْحِنَّاءِ ، فَإِنَّ الْحِنَّاءَ إِذَا خُضِبَ بِهِ مَعَ الْكَتَمِ جَاءَ أَسْوَدَ وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ السَّوَادِ . وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالْحِنَّاءِ أَوِ الْكَتَمِ عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّعَاقُبِ وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعَ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا ، وَقَوْلُهُ بَحْتًا بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ صِرْفًا ، هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا دَائِمًا . وَالْكَتَمُ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ يُخْرِجُ الصِّبْغَ أَسْوَدَ يَمِيلُ إِلَى الْحُمْرَةِ ، وَصِبْغُ الْحِنَّاءِ أَحْمَرُ فَالصِّبْغُ بِهِمَا مَعًا يَخْرُجُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ إِلَخْ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَيُقَالُ الدُّؤَلِيُّ بِالضَّمِّ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ الْبَصْرِيُّ اسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ ، وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ ظَالِمٍ ، وَيُقَالُ بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا ، وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ثِقَةٌ فَاضِلٌ مُخَضْرَمٌ انْتَهَى . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ يَعْنِي بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ مَنْ أَجَازَ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَسْأَلَةُ اسْتِثْنَاءِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ لِحَدِيثَيْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْأَوْلَى كَرَاهَتُهُ . وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَجَرِيرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْخِضَابِ لَهُ ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ بِالسَّوَادِ لَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ ، بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ بَلْ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ قَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُمْ . وَعَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : جَنِّبُوهُ السَّوَادَ بِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ شَيْبُ رَأْسِهِ مُسْتَبْشَعًا وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ انْتَهَى . وَمَا قَالَهُ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ ، نَعَمْ يَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُنَّا نَخْضِبُ بِالسَّوَادِ إِذَا كَانَ الْوَجْهُ جَدِيدًا فَلَمَّا نَغَضَ الْوَجْهُ وَالْأَسْنَانُ تَرَكْنَاهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ : مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَأَجَازَهُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ . وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ ، وَأَمَّا خَضْبُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ إِلَّا فِي التَّدَاوِي انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : مَنْ أَجَازَ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرُوا الشَّيْبَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ التَّغْيِيرَ بِالسَّوَادِ أَيْضًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ : قَوْلُهُ : فَخَالِفُوهُمْ إِبَاحَةٌ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرُوا الشَّيْبَ بِكُلِّ مَا شَاءَ الْمُغَيِّرُ لَهُ إِذْ لَمْ يَتَضَمَّنْ قَوْلُهُ : خَالِفُوهُمْ أَنِ اصْبُغُوا بِكَذَا وَكَذَا دُونَ كَذَا وَكَذَا انْتَهَى . وَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِثْلُ الثَّغَامِ أَوِ الثَّغَامَةِ فَأَمَرَ أَوْ فَأُمِرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ قَالَ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ التَّغْيِيرَ بِالسَّوَادِ أَيْضًا . وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغْيِيرِ فِيهِمَا التغيير بِغَيْرِ السَّوَادِ ، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طريقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وَزَادَ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ وفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغْيِيرِ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ التَّغْيِيرُ بِغَيْرِ السَّوَادِ . وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِأَنَّ فِي كَوْنِهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرًا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَانَ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ مَخْلُوطًا بِالْكَتَمِ وَهُوَ يُسَوِّدُ الشَّعْرَ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخَلْطَ يَخْتَلِفُ ، فَإِنْ غَلَبَ الْكَتَمُ اسْوَدَّ ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا ، وَإِنْ غَلَبَ الْحِنَّاءُ احْمَرَّ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْطِ فِي الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ الْحِنَّاءُ غَالِبًا عَلَى الْكَتَمِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . وَفِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِصُورَةٍ دُونَ صُورَةٍ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِيمَا ذُكِرَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ صُهَيْبٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الصَّيْرَفِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسٍ ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ زَكَرِيَّا الرَّاسِبِيُّ ، ثَنَا دَفَّاعُ بْنُ دَغْفَلٍ السَّدُوسِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ صُهَيْبِ الْخَيْرِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا اخْتَضَبْتُمْ بِهِ لَهَذَا السَّوَادُ أَرْغَبُ لِنِسَائِكُمْ فِيكُمْ ، وَأَهْيَبُ لَكُمْ فِي صُدُورِ عَدُوِّكُمْ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْخِضَابِ بِالسَّوَادِ وَيَقُولُ : هُوَ تَسْكِينٌ لِلزَّوْجَةِ وَأَهْيَبُ لِلْعَدُوِّ . وَذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ . وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ دَفَّاعَ بْنَ دَغْفَلٍ ، وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ صَيْفِيٍّ ضَعِيفَانِ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ صَيْفِيٍّ وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ زِيَادِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي الْمِيزَانِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : بِأَنَّ دَفَّاعَ بْنَ دَغْفَلٍ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، فَتَضْعِيفُ أَبِي حَاتِمٍ وَقَوْلُهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ غَيْرُ قَادِحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ غَيْرُ قَادِحٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْهُ فِي رِجَالٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ للثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ كَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى . فَتَوْثِيقُ ابْنِ حِبَّانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ صَيْفِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ جَرْحٌ مُفَسَّرٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ شَيْخٌ . وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ : لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتَرَطَهُ فِي قَبُولِ الْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ مِنْ بَقَاءِ بَعْضِ رُوَاتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَلَوْ مَرَّةً . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَقَامِهَا . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ وَهُوَ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ فَلْيُعْلِمْهَا أَنَّهُ يَخْضِبُ ، رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ . قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . وَاسْتَدَلَّ الْمُجَوِّزُونَ أَيْضًا بِأَنَّ جَمْعًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ قَدِ اخْتَضَبُوا بِالسَّوَادِ وَلَمْ يُنْقَلِ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ عنْ أَحَدٍ . فَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ فَغَلَّفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ حَتَّى قَنَأَ لَوْنُهَا ، وَفِي الْقَامُوسِ : قَنَأَ لِحْيَتَهُ سَوَّدَهَا كَقَنَأَهَا انْتَهَى . وَفِي الْمُنْجِدِ : قَنَأَ قُنُوءًا الشَّيْءُ اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ اللِّحْيَةُ مِنَ الْخِضَابِ اسْوَدَّتْ قَنَأَ - قَنْأً وَقَنَّأَ تَقْنِئَةً وَتَقَنْيَأَ لِحْيَتَهُ سَوَّدَهَا بِالْخِضَابِ قَنَّأَ الشَّيْءَ حَمَّرَهُ شَدِيدًا انْتَهَى . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : حَتَّى قَنَأَ لَوْنُهَا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهَا ، فَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْقَافِ مَعَ النُّونِ : مَرَرْتُ بِأَبِي بَكْرٍ فَإِذَا لِحْيَتُهُ قَانِئَةٌ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : وَقَدْ قَنَأَ لَوْنُهَا ، أَيْ شَدِيدَةُ الْحُمْرَةِ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ : حَتَّى قَنَأَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ وَالْهَمْزَةِ ، أَيِ اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهَا انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : أَيْ حَتَّى اشْتَدَّ حُمْرَتُهَا حَتَّى ضَرَبَتْ إِلَى السَّوَادِ انْتَهَى . وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَخْرُجُ إِلَيْنَا وَكَأَنَّ لِحْيَتَهُ ضِرَامُ الْعَرْفَجِ مِنَ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ ، ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ . قَالَ الْجَوْزِيُّ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ : الضَّرَامُ لَهَبُ النَّارِ شُبِّهَتْ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْضِبُهَا بِالْحِنَّاءِ . وَقَالَ فِي مَادَّةِ ( ع ر ف ) الْعَرْفَجُ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ صَغِيرٌ سَرِيعُ الِاشْتِعَالِ بِالنَّارِ وَهُوَ مِنْ نَبَاتِ الصَّيْفِ . وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : قَدْ صَحَّ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمَا فِي كِتَابِ تَهْذِيبِ الْآثَارِ وَذَكَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَأَيُّوبُ ، وإِسْمَاعِيلَ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، وَيَزِيدَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَزِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، وَغَيْلَانِ بْنِ جَامِعٍ ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَانَ مِمَّنْ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ وَيَقُولُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمَغَازِي وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَالْحَافِظُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَلَهُمَا رِسَالَتَانِ مُفْرَدَتَانِ فِي جَوَازِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ ، وَعَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَقَالَ : إِنَّمَا شَعْرُكَ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبِكَ فَاصْبُغْهُ بِأَيِّ لَوْنٍ شِئْتَ وَأَحَبُّهُ إِلَيْنَا أَحْلَكُهُ . وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ خَضْبَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ بِالسَّوَادِ يَنْفِيهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَأَمَّا عَدَمُ نَقْلِ الْإِنْكَارِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَرْفُوعَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُهَا يَنْفِيهِ ، وَبَعْضُهَا لَا بَلْ يُثْبِتُهُ وَيُؤَيِّدُهُ فَتَفَكَّرْ . وَاسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ عَنِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ قَالَ : أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ مُدْرَجٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ إِلَى قَوْلِهِ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ فَحَسْبُ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ قَوْلُهُ : وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ وَقَدْ سَأَلَ زُهَيْرٌ ، أَبَا الزُّبَيْرِ : هَلْ قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ جَنِّبُوهُ السَّوَادَ ؟ فَأَنْكَرَ وَقَالَ : لَا فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا حَسَنٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَا : ثَنَا زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِهِ : ثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي قُحَافَةَ أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ أَوْ مِثْلُ الثَّغَامَةِ ، قَالَ : حَسَنٌ ، فَأُمِرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ قَالَ : غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ قَالَ : حَسَنٌ ، قَالَ زُهَيْرٌ : قُلْتُ لِأَبِي الزُّبَيْرِ : قَالَ : جَنِّبُوهُ السَّوَادَ ؟ قَالَ : لَا انْتَهَى وَزُهَيْرٌ هَذَا هُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُكَنَّى بِأَبِي خَيْثَمَةَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ، وَحَسَنٌ هَذَا هُوَ حَسَنُ بْنُ مُوسَى أَحَدُ الثِّقَاتِ . وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَهُمَا ثِقَتَانِ ثَبْتَانِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ : وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا ، وَزِيَادَةُ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ مَقْبُولَةٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الزُّبَيْرِ لَا فِي جَوَابِ سُؤَالِ زُهَيْرٍ فَمَبْنِيٌّ على أَنَّهُ قَدْ نَسِيَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَكَمْ مِنْ مُحَدِّثٍ قَدْ نَسِيَ حَدِيثَهُ بَعْدَمَا حدثهُ ، وَخَضْبُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِالسَّوَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مُدْرَجَةً كَمَا لَا يَخْفَى . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي حُرْمَةِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ . وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ فِي سَنَدِهِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ أَبِي الْمُخَارِقِ أَبَا أُمَيَّةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَقَدْ رُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ هَذَا لَيْسَ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ أَبَا أُمَيَّةَ بَلْ هُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ : أَخْطَأَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَإِنَّمَا فِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ الثِّقَةُ الْمُخَرَّجُ لَهُ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ بِسَبَبِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى . وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ عَلَى الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ بَلْ عَلَى مَعْصِيَةٍ أُخْرَى لَمْ تُذْكَرْ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ وَقَدْ عَرَفْتَ وُجُودَ طَائِفَةٍ قَدْ خَضَبُوا بِالسَّوَادِ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَبَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَظَهَرَ أَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ عَلَى الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ ، إِذ لَوْ كَانَ الْوَعِيدُ عَلَى الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَائِدَةٌ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَضْبِ بِالسَّوَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَضْبُ بِهِ لِغَرَضِ التَّلْبِيسِ وَالْخِدَاعِ لَا مُطْلَقًا ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تُقَرِّبُوهُ السَّوَادَ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَجْمَعَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ انْتَهَى ، ثُمَّ هُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ بِالْعَنْعَنَةِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : الصُّفْرَةُ خِضَابُ الْمُؤْمِنِ وَالْحُمْرَةُ خِضَابُ الْمُسْلِمِ وَالسَّوَادُ خِضَابُ الْكَافِرِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ : مَنْ غَيَّرَ الْبَيَاضَ بِالسَّوَادِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي لِسَانِ الْمِيزَانِ . وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ بِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يَصْلُحُ وَاحِدٌ مِنْهَا لِلِاحْتِجَاجِ . أَمَّا الْأَوَّلُ : فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ كَمَا عَرَفْتَ : وَأَمَّا الثَّانِي : فَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّيْسِيرِ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ . وَأَمَّا الثَّالِثُ : فَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَنْبَرِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْمِيزَانِ وَاللِّسَانِ . هَذَا وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلَائِلَ الْمُجَوِّزِينَ وَالْمَانِعِينَ مَعَ بَيَانِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَأَمَّلَ فِيهَا . وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ بَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَيْنِ بِوَجْهَيْنِ ، فَقَالَ : فَإِنْ قِيلَ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ وَالْكَتَمُ يُسَوِّدُ الشَّعْرَ ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّسْوِيدِ الْبَحْتِ . فَأَمَّا إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْحِنَّاءِ شَيْءٌ آخَرُ كَالْكَتَمِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّ الْكَتَمَ وَالْحِنَّاءَ يَجْعَلُ الشَّعْرَ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِخِلَافِ الْوَسْمَةِ فَإِنَّهَا تَجْعَلُهُ أَسْوَدَ فَاحِمًا وَهَذَا أَصَحُّ الْجَوَابَيْنِ : الْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ خِضَابُ التَّدْلِيسِ كَخِضَابِ شَعْرِ الْجَارِيَةِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَغُرُّ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ بِذَلِكَ وَخِضَابُ الشَّيْخِ يَغُرُّ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ تَدْلِيسًا وَلَا خِدَاعًا فَقَدْ صَحَّ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ إِلَخْ . قُلْتُ : الْجَوَابُ الْأَوَّلُ هُوَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ عِنْدِي ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّسْوِيدِ الْبَحْتِ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّسْوِيدِ الْمَخْلُوطِ بِالْحُمْرَةِ . هَذَا مَا عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

**المصدر**: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

## روابط ذات صلة

- [الكتاب المصدر](https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37.md)

---

**المصدر الرسمي**: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37/h/370388

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة
