بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ وَغَيْرِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ ، نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّدُودُ ، وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ ، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَدَّهُ أَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ : لُدُّوهُمْ ، قَالَ : فَلُدُّوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْعَبَّاسِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، مَا يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ مِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَدُّوَيْهِ - بِمِيمٍ وَتَثْقِيلٍ - الْقُرَشِيُّ ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادِ ) بْنِ شُعَيْبٍ الشُّعَيْثِيُّ أَبُو سَلَمَةَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ ، مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ ( نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ) النَّاجِي أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي ، صَدُوقٌ ، رُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ ، وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ مِنَ السَّادِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَعَطَ ، أَيِ : اسْتَعْمَلَ السَّعُوطَ ، هُوَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَيُجْعَلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِيَنْحَدِرَ رَأْسه ، وَيُقْطَرَ فِي أَنْفِهِ مَاءٌ أَوْ دُهْنٌ فِيهِ دَوَاءٌ مُفْرَدٌ أَوْ مُرَكَّبٌ ؛ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى دِمَاغِهِ ؛ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ ، انْتَهَى . ( وَاللَّدُودُ ) بِفَتْحِ اللَّامِ هُوَ : الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ فَمِ الْمَرِيضِ وَيُسْقَاهُ ، أَوْ يُدْخَلَ هُنَاكَ بِأُصْبُعٍ وَغَيْرِهَا وَيُحَنَّكَ بِهِ ، قَالهَ النَّوَوِيُّ . ( والْحِجَامَةُ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى الِاحْتِجَامِ ( وَالْمَشِيُّ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ ، فَعِيلٌ مِنَ الْمَشْيِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِضَمٍّ فَبِكَسْرٍ ، وَجَوَّزَهُ فِي الْمُغْرِبِ ، وَقَالَ : وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ لِإِطْلَاقِ الْبَطْنِ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ شَارِبَهُ عَلَى الْمَشْيِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْخَلَاءِ .
( لَدَّهُ أَصْحَابُهُ ) أَيْ جَعَلُوا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهَذَا هُوَ اللَّدُودُ ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَجُور ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا أَيْ بِزَيْتٍ فَلَدُّوهُ بِهِ ( فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لُدُّوهُمْ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ( قَالَ ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَلُدُّوا ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : لَدِدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي ، فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ غَيْرَ الْعَبَّاسِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ، اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَدِّهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حِينَ خَالَفُوهُ فِي إِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ : لَا تَلُدُّونِي ، فَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَصَرِيحِ الْعِبَارَةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهِ تَعْزِيرُ الْمُتَعَدِّي بِنَحْوٍ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، انْتَهَى . قِيلَ : وَإِنَّمَا كُرِهَ اللَّدُّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى ؛ لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ ، وَمَنْ حُقِّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ ; لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى .