بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَيِّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْكَيِّ ، قَالَ : فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا ، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَيِّ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : كَوَاهُ يَكْوِيهِ كَيًّا : أَحْرَقَ جِلْدَهُ بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَهِيَ الْمِكْوَاةُ ، وَالْكَيَّةُ : مَوْضِعُ الْكَيِّ ، وَالْكَاوِيَاءُ : مِيسَمٌ ، وَاكْتَوَى : اسْتَعْمَلَ الْكَيَّ فِي بَدَنِهِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الْكَيِّ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : النَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى ؛ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطَرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَوَاهُ فَلَمْ يَنْجَحْ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْكَيُّ نَوْعَانِ : كَيُّ الصَّحِيحِ ؛ لِئَلَّا يَعْتَلَّ ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ : لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ ، وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ ، وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ أَيْ فَسَدَ ، وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ ، وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَعَدَمَ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ ، وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ ؛ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ ، وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
( فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا ) مِنَ الْإِنْجَاحِ ، أَيْ : فَمَا فُزْنَا ، وَلَا صِرْنَا ذَا نَجْحٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ بِنُونِ الْإِنَاثِ فِيهِمَا ، يَعْنِي تِلْكَ الْكَيَّاتِ الَّتِي اكْتَوَيْنَا بِهِنَّ ، وَخَالَفْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِعْلِهِنَّ ، وَكَيْفَ يُفْلِحُ وَيُنْجِحُ شَيْءٌ خُولِفَ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ : فَاكْتَوَيْنَا كَيَّاتِ لأَوْجَاعِ ، فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : سَنَدُهُ قَوِيٌّ .