حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ وَالْغَسْلُ لَهَا

حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قال : ثني حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ ، ثني أَبِي ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ . ( بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ) أَيِ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأَنْكَرَهُ طَوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةِ لِغَيْرِ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ مُحَالًا فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا إِفْسَادِ دَلِيلٍ ، فَهُوَ مِنْ مُتَجَاوِزَاتِ الْعُقُولِ ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى ، وَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ إِنْكَارِهِمْ هَذَا وَإِنْكَارِهِمْ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورُ الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ) هُوَ الْفَلَّاسُ الصَّيْرَفِيُّ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ .

( نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ ) بْنُ دِرْهَمٍ ( أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ) مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ، وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، نا أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، بِزِيَادَةِ لَفْظِ نا بَيْنَ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ ، ( نا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ) هُوَ الْهُنَائِيُّ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ) هُوَ الطَّائِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو نَصْرٍ الْيَمَامِيُّ ( ثني حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ، وَقَبْلَ السِّينِ مُوَحَّدَةٌ ، التَّمِيمِيُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( ثني أَبِي ) أَيْ حَابِسٌ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَيَّةُ حَدِيثَ : لَا شَيْءَ فِي الْهَامِّ ، صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ بِسَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبِعَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( لَا شَيْءَ فِي الْهَامِّ ) أَيْ : لَا شَيْءَ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي الْهَامِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْهَامَةُ هِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ ، وَقِيلَ بِتَشْدِيدِهَا ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ الْإِمَامِ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ : وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَشَاءَمُ بِهَا وَهِيَ الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْبُومَةُ ، قَالُوا : كَانَتْ إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ فَرَآهَا نَاعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَ أَهْلِهِ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ ، وَقِيلَ : رُوحُهُ ، يَنْقَلِبُ هَامَةً تَطِيرُ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّوْعَيْنِ ؛ فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْطَالَ ذَلِكَ ، وَضَلَالَةَ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ ذَلِكَ .

( وَالْعَيْنُ ) أَيْ : أَثَرُهَا ( حَقٌّ ) لَا بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا سَبَبٌ عَادِيٌّ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إِلَى شَيْءٍ وَإِعْجَابِهِ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الطَّبَائِعِيِّينَ الْمُثْبِتِينَ لِلْعَيْنِ أَنَّ الْعَائِنَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ ، قَالُوا : وَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا لَا يَمْتَنِعُ انْبِعَاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنَ الْأَفْعَى وَالْعَقْرَبِ تَتَّصِلُ بِاللَّدِيغِ فَيَهْلِكُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ لَنَا ، فَكَذَا الْعَيْنُ ، قَالَ : وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَبَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالطَّبَائِعِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ شَيْئًا ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَطَلَ مَا قَالُوهُ ، ثُمَّ نقُولُ : هَذَا الْمُنْبَعِثُ مِنَ الْعَيْنِ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ ، فَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ ، وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا ؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَجَانِسَةٌ فَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِبَعْضِهَا بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ ، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ ، قَالَ : وأَقْرَبُ طَرِيقَةٍ قَالَهَا مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ مِنْهُمْ ، أَنْ قَالُوا : لَا يَبْعُدُ أَنْ تَنْبَعِثَ جَوَاهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ مِنَ الْعَيْنِ فَتَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ ، وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَّ جِسْمِهِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْهَلَاكَ عِنْدَهَا كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عِنْدَ شُرْبِ السُّمِّ ، عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَتْ ضَرُورَةً وَلَا طَبِيعَةً أَلْجَأَ الْعَقْلُ إِلَيْهَا . وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تُفْسِدُ وَتُهْلِكُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ أَنْ يَخْلُقَ الضَّرَرَ عِنْدَ مُقَابَلَةِ هَذَا الشَّخْصِ لِشَخْصٍ آخَرَ ، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ أَمْ لَا ؟ هَذَا مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ الْفِعْلِ عَنْهَا وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ قَطَعَ مِنْ أَطِبَّاءِ الْإِسْلَامِ بِانْبِعَاثِ الْجَوَاهِرِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَطْعِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْجَائِزَاتِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث