بَاب مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، ثني مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فارس والروم يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ولا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . قَالَ عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ : وثنا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، قال : ثني مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ نَحْوَهُ .
قال أبو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ ) بْنِ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ الْعَسْقَلَانِيُّ ، مِنْ عَسْقَلَانَ بَلَخَ ، ثِقَةٌ يغرب مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( ثنا ابْنُ وَهْبٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ثِقَةٌ حَافِظٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ) وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ : وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ بَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ هَمَمْتُ ) أَيْ : قَصَدْتُ ( حَتَّى ذُكِّرْتُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ) أَيِ : الْغِيلَةَ ( وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَفِي حَدِيثِ جُدَامَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْغِيلَةِ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : نَفْيُهُ لِأَثَرِ الْغَيْلِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ يَعْنِي حَدِيثَ جُدَامَةَ كَانَ إِبْطَالًا لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا ، وَإِثْبَاتُهُ لَهُ هُنَا يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، انْتَهَى .
وَقِيلَ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ : لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِلتَّنْزِيهِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى فِي حَدِيثِ جُدَامَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا مُنَافَاةَ ، وَقَالَ السِّنْدِيُّ : حَدِيثُ أَسْمَاءَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَأَذِنَ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جُدَامَةَ وَهَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّ مُفَادَ حَدِيثِ جُدَامَةَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ وَلَمْ يَنْهَ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِيهِ نَهْيٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ لَمَا اسْتُحْسِنَ الْقَسَمُ بِاللَّهِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ بَعْدَ حَدِيثِ جُدَامَةَ حَيْثُ حُقِّقَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا أَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَخْفَى إِلَى الْكِبَرِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وثنا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ) بْنِ نَجِيحٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ ابْنُ الطَّبَّاعِ سَكَنَ أَذَنَةَ ، صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ .