بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ
2118 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ
قَوْلُهُ : ( مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) كَلِمَةُ ( مَا ) بِمَعْنَى لَيْسَ ( يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَقَعَتْ صِفَةً أُخْرَى لِامْرِئٍ ( وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَلَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ( إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ) مُسْتَثْنًى خَبَرُ لَيْسَ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ يَبِيتُ كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا ، تَقْدِيرُهُ أَن يَبِيتَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ الْآيَةَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَبِيتُ صِفَةً لِمُسْلِمٍ وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ قَالَ هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ انْتَهَى .
قَالَ الْعَيْنِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ : هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى أَيْضًا وَإِنَّمَا قَدَّرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ " يُرِيكُمْ " لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : " وَمِنْ آيَاتِهِ " فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ مُبْتَدَأً فَيُقَدَّرُ أَنَّ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً ، فَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ يَفْهَمُ هَذَا وَيَعْلَمُ تَغْيِيرَ الْمَعْنَى فِيمَا قَالَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : لَمْ يُجِبِ الْحَافِظُ عَنْ ذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ الِاعْتِرَاضِ بِشَيْءٍ بَلْ بَيَّضَ لَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْعَيْنِيُّ عَلَيْهِ ، لَكِنْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا : أَنْ يَبِيتَ ، فَصَرَّحَ بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ الْحَدِيثُ ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ الْحَدِيثُ ، فَقَوْلُ الْعَيْنِيِّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ بِمَا قَالَ الْحَافِظُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ فِي الْعُدَّةِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ يَبِيتُ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ تَقْدِيرَهُ مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَتُهُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَصَابِيحِ : أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ ارْتَفَعَ بَعْدَ حَذْفِ أَنْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ لَيْلَتَيْنِ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا فَفَسَحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرَ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، وَكَأَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ : لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ " إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي " انْتَهَى .
قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا لَكِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : هِيَ وَاجِبَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِهَا لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا ، وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صَحِيفَةٍ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ مَعْنَاهُ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا لَا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكِتَابَةِ بَلْ لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ .