حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رَبِيعَةَ الْبُنَانِيُّ ، نَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ ويُشَرِّكَانِهِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ بِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَقَالَ : يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ .

باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة قَوْلُهُ : ( كُلُّ مَوْلُودٍ ) قَالَ الْقَارِي : أَيْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ وَصَرَّحَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( يُولَدُ عَلَى الْمِلَّةِ ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ وَالْوَاقِعُ فِي الْحُكْمِ أَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّرِ الْحُكْمِ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ : وَسَبَبُ الِاشْتِبَاهِ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلِذَلِكَ ادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِثْبَاتَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ الْحَدِيثُ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ فَزَادَ فِيهِ : حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ . ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا ، وَالْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَإِمَّا لِلتَّسَبُّبِ أَيْ إِذَا كَانَ كَذَا فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ غَالِبًا ( وَيُنَصِّرَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا ( وَيُشَرِّكَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الشِّرْكَ وَيَجْعَلَانِهِ مُشْرِكًا ( فَمَنْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ وَيُنَصِّرَاهُ وَيُشَرِّكَاهُ ( قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ بِهِ ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ شَيْءٍ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا وَلَكِنْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَلْ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا ، وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ ، وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَوْلُودِ التَّكْلِيفُ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : سَأَلْتُ رَبِّي اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، قَالَ : وَوَرَدَ تَفْسِيرُ اللَّاهِينَ بِأَنَّهُمُ الْأَطْفَالُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ خَنْسَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صُرَيْمٍ عَنْ عَمَّتِهَا قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ أَوْ قَالَ : هُمْ فِي الْجَنَّةِ .

قَالَ الْحَافِظُ : وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَرَافِعًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْإِشْكَالِ انْتَهَى . وَقَدِ اخْتَارَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ ، قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ قَوْلِهِ : بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ : هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَزَمَ بَعْدَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْ رَتَّبَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ تَرْتِيبًا يُشِيرُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ ، فَإِنَّهُ صَدَّرَهُ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْحَدِيثِ الْمُرَجِّحِ لِكَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ ، يَعْنِي حَدِيثَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ ، يَعْنِي حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي سِيَاقِهِ : وَأَمَّا الصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ ، قَدْ أَخْرَجَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ : وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث