بَاب أَنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، نَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا ، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ ، وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَلْيَتْفُلْ وَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( أبواب الرُّؤْيَا إلخ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَصْرِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ .
( باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) قَوْلُهُ : ( إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ ) قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُقْتَصِدِ مُتَقَارِبٌ ، وَيَقُولُونَ : تَقَارَبَتْ إِبِلُ فُلَانٍ إِذَا قَلَّتْ ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ . وَثَانِيهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَادَةِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ ، وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . وَثَالِثُهَا ـ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، قَالُوا : يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَبَسْطِ الْعَدْلِ وَذَلِكَ زَمَانٌ يُسْتَقْصَرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ .
قُلْتُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ ( لَمْ تَكَدْ ) أَيْ لَمْ يَقْرُبْ ( وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا ) أَيِ الَّذِي هُوَ أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا هُوَ أَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا ( وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَنَسٍ : جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ : أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّلُ ، وَقَالَ : وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ : إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً ، وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِيلَ مَعْنَاهُ أنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ : الْمَعْنَى أنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ سُئِلَ أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ ؟ فَقَالَ : أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ ؟ ثُمَّ قَالَ : الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا اشْتَبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ انْتَهَى ، وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ : وَلَا حَرَجَ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِهِ فَإِنَّ أَجْزَاءَ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً فَلَا يُنَافِي حَدِيثَ ذَهَبَ النُّبُوَّةُ ، انْتَهَى . ( فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ ) أَيْ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّائِي أَوِ الْمَرْئِيِّ لَهُ ، ( وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ ) أَيْ بِأَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ وَقْتَهُ فَيُرِيَهُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قُطِعَ رَأْسُهُ مَثَلًا ( وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ ) كَمَنْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ ( وَلْيَتْفُلْ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : تَفَلَ يَتْفُلُ وَيَتْفِلُ بَصَقَ ( قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ) قَالَ الْمُهَلِّبُ : الْغُلُّ يُعَبَّرُ بِالْمَكْرُوهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ الْآيَةَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا أُحِبُّ الْقَيْدَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الرَّجُلُ وَهُوَ كَفٌّ عَنِ الْمَعَاصِي وَالشَّرِّ وَالْبَاطِلِ ، وَأَبْغَضُ الْغُلِّ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْعُنُقُ وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ ( الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ ) إِنَّمَا جُعِلَ الْقَيْدُ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى الْبَاطِلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .