باب الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ .
باب : قَوْلُهُ : ( نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينِ ) بْنِ عَوْنٍ الْغَطَفَانِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مَشْهُورٌ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ) الصَّنْعَانِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ ) بِفَتحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ابْنُ رَيْسَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، أَبُو وَائِلٍ الْقَاصُّ الصَّنْعَانِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَاضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ ابْنِ حِبَّانَ ( أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثْمَانَ ) كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَبُو وَائِلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ وَغَيْرُهُ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . قَوْلُهُ : ( بَكَى حَتَّى يَبُلَّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بُكَاؤُهُ يَعْنِي دُمُوعَهُ ( لِحْيَتَهُ ) أَيْ يَجْعَلَهَا مَبْلُولَةً مِنَ الدُّمُوعِ ( فَلَا تَبْكِي ) أَيْ مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَاشْتِيَاقِ الْجَنَّةِ ( وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ) أَيْ مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَظَاعَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا يَدُلُّ حَدِيثُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ذَكَرَهُ الْقَارِي ( إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ) وَمِنْهَا عُرْضَةُ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الْعَرْضِ ، وَمِنْهَا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْمِيزَانِ ، وَمِنْهَا الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَمِنْهَا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ ، وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَآخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا وَلِذَا يُسَمَّى الْبَرْزَخُ ( فَإِنْ نَجَا ) أَيْ خُلِّصَ الْمَقْبُورُ ( مِنْهُ ) أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ( فَمَا بَعْدَهُ ) أَيْ مِنَ الْمَنَازِلِ ( أَيْسَرُ مِنْهُ ) أَيْ أَسْهَلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكُفِّرَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ( وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ ) أَيْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ ذُنُوبَهُ بِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِهِ ( فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ) لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالْقَبْرُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ ( قَالَ ) أَيْ عُثْمَانُ ( مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ أَيْ مَوْضِعًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْضِعِ بِالْمَنْظَرِ مُبَالَغَةً لِأَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الشَّيْءُ مَعَ لَازِمِهِ يَنْتَفِي بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ ( قَطُّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمَضْمُومَةِ : أَيْ أَبَدًا وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَاضِي ( إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ ) مِنْ فَظُعَ الْأَمْرُ كَكَرُمَ اشْتَدَّتْ شَنَاعَتُهُ وَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ فِي ذَلِكَ ، يَعْنِي أَشَدُّ وَأَفْظَعُ وَأَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْظَرِ . قِيلَ : الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ مَنْظَرٍ وَهُوَ مَوْصُوفٌ حُذِفَتْ صِفَتُهُ ، أَيْ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظِيعًا عَلَى حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْفَظَاعَةِ ، إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِ الْقَبْرِ أَقْبَحَ مِنْهُ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَزَادَ رَزِينٌ فِيهِ مِمَّا لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ هَانِئٌ : وَسَمِعْتُ عُثْمَانَ يَنْشُدُ عَلَى قَبْرٍ : فَإِنْ تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أَخَالُكَ نَاجِيًا انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَاعْتُرِضَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ .