بَاب مَا جَاءَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْكُوفِيُّ ، نَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ ، نَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، يَا عَائِشَةُ ، لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، يَا عَائِشَةُ ، أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ ) أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَيُقَالُ : أَبُو إِسْمَاعِيلَ ، صَدُوقٌ زَاهِدٌ ، يُخْطِئُ فِي أَحَادِيثَ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ ) بْنِ سَالِمٍ اللَّيْثِيُّ الْكُوفِيُّ ابْنُ أُخْتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ) قِيلَ : هُوَ مِنَ الْمَسْكَنَةِ وَهِيَ الذِّلَّةُ وَالِافْتِقَارُ ، فَأَرَادَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ إِظْهَارَ تَوَاضُعِهِ ، وَافْتِقَارِهِ إِلَى رَبِّهِ ؛ إِرْشَادًا لِأُمَّتِهِ إِلَى اسْتِشْعَارِ التَّوَاضُعِ ، وَالِاحْتِرَازِ عَنِ الْكِبْرِ وَالنَّخْوَةِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَاتِ الْمَسَاكِينِ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ( وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ) : أَيِ اجْمَعْنِي فِي جَمَاعَتِهِمْ بِمَعْنَى اجْعَلْنِي مِنْهُمْ ، لَكِنْ لَمْ يَسْأَلْ مَسْكَنَةً تَرْجِعُ لِلْقِلَّةِ ؛ بَلْ لِلْإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ . قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ : لَوْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَ الْمَسَاكِينَ فِي زُمْرَتِهِ لَكَانَ لَهُمُ الْفَخْرُ الْعَمِيمُ وَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ ، فَكَيْفَ وَقَدْ سَأَلَ أَنْ يُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ ؟ ( لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ) أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ دَعَوْتَ هَذَا الدُّعَاءَ ، وَاخْتَرْتَ الْحَيَاةَ وَالْمَمَاتَ وَالْبَعْثَ مَعَ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ دُونَ أَكَابِرِ الْأَغْنِيَاءِ . ( قَالَ : إِنَّهُمْ ) اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ ، أَيْ لِأَنَّهُمْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ فَضَائِلِهِمْ وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ ( بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ) : أَيْ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْخَرِيفُ الزَّمَانُ الْمَعْرُوفُ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ مَا بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، وَيُرِيدُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ؛ لِأَنَّ الْخَرِيفَ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا انْقَضَى أَرْبَعُونَ خَرِيفًا فَقَدْ مَضَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، انْتَهَى .
فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ، فَإِنَّهُمَا بِظَاهِرِهِمَا مُتَخَالِفَانِ ؟ . قُلْتُ : وجهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنَ الْعَدَدَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ ، فَتَارَةً عَبَّرَ بِهِ ، وَأُخْرَى بِغَيْرِهِ تَفَنُّنًا وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ ، أَوْ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِأَرْبَعِينَ كَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ ؛ زِيَادَةً مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِبَرَكَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالتَّقْدِيرُ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِشَارَةً إِلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ ، وَبِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ إِلَى أَكْثَرِهَا . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ ، وَلَفْظُهُ : سَبَقَ الْمُهَاجِرُونَ النَّاسَ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِلَى الْجَنَّةِ ، ثُمَّ يَكُونُ الزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ مِائَةَ خَرِيفٍ .
فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الزُّمْرَةُ الثَّالِثَةُ مِائَتَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَكَأَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ فِي خَمْسِ زُمَرٍ ، أَوِ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ أَشْخَاصِ الْفُقَرَاءِ فِي حَالِ صَبْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَشُكْرِهِمْ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ حَيْثُ قَالَ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْأَرْبَعِينَ أَرَادَ بِهَا تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ عَلَى الْغَنِيِّ . وَأَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ عَلَى الْغَنِيِّ الرَّاغِبِ ، فَكَانَ الْفَقِيرُ الْحَرِيصُ عَلَى دَرَجَتَيْنِ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مِنَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ ، وَهَذِهِ نِسْبَةُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِمِائَةِ ، وَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَأَمْثَالَهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جُزَافًا ، وَلَا بِاتِّفَاقٍ ؛ بَلْ لِسِرٍّ أَدْرَكَهُ ، وَنِسْبَةٍ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ ، فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾. ( أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ ) : أَيْ بِقَلْبِكِ ( وَقَرِّبِيهِمْ ) : أَيْ إِلَى مَجْلِسِكِ حَالَ تَحْدِيثِكِ ؛ ( فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) : أَيْ بِتَقْرِيبِهِمْ تَقْرِيبًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : إِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ لَكَفَى حُجَّةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ : الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الْحُفَّاظِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ، فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَقْرِ الْقَلْبِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ الرِّضَاءِ بِالْقَضَاءِ ، وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى تَقْسِيمِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَلِذَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَوْلُهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ بِمَا نُقِلَ : الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ سُئِلَ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ : إِنَّهُ كَذِبٌ ، لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَرْوِيَّةِ ، وَجَزَمَ الصَّغَانِيُّ بِأنَّهُ مَوْضُوعٌ ، انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا ، وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ اسْتِعَاذَتُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْفَقْرِ .
قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِنَّ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ وَكَرِهَهُ فَقْرُ الْقَلْبِ ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَارْتَضَاهُ طَرْحُ الْمَالِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَعَهُ الْقُوتُ وَالْكَفَافُ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ مَعَهُ فِي النَّفْسِ غِنًى ؛ لِأَنَّ الْغِنَى عِنْدَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غِنَى النَّفْسِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾وَلَمْ يَكُنْ غِنَاهُ أَكْثَرَ مِنَ ادِّخَارِهِ قُوتَ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ . وَكَانَ الْغِنَى مَحَلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةً بِرَبِّهِ ، وَكَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ فَقْرٍ مُنْسٍ ، وَغِنًى مُطْغٍ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ طَرَفَانِ مَذْمُومَانِ ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَقَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْهُ ، وَطَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ .
تَنْبِيهٌ : أَسْرَفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَكَأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُ مُبَايِنًا لِلْحَالِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَنَّهُ كَانَ مَكْفِيًّا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْقِلَّةِ ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ ، انْتَهَى .