بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسٍ قَال : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهْرَاقَ دَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ ، وَالْحُبْلَةِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ والْبَعِيرُ ، وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ ، لَقَدْ خِبْتُ إِذن وَضَلَّ عَمَلِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ . ( بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ) الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ مَتْرُوكٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ ( نَا أَبِي ) : أَيْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ بَيَانٍ ) هُوَ ابْنُ بِشْرٍ ( عَنْ قَيْسٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ .
قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهَرَاقَ دَمًا ) : أَيْ أَرَاقَهُ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ مِنَ الْهَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ( وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا ، وَهِيَ أَوَّلُ السَّرَايَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ ( أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ : هُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ( مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالْحُبْلَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحُبْلَةُ ثَمَرُ السَّمُرِ يُشْبِهُ اللُّوبْيَاءَ ، وَقِيلَ : هُوَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ ( حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ ) أَرَادَ أَنَّ نَجْوَهُمْ يَخْرُجُ بَعْرًا لِيُبْسِهِ مِنْ أَكْلِهِمْ وَرَقَ الشَّجَرِ وَعَدَمِ الْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ .
( وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ ) : أَيِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسْدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَكَسَرَهُمْ ، وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَسَكَنَ مُعْظَمُهُمُ الْكُوفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ كَانُوا مِمَّنْ شَكَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ حَتَّى عَزَلَهُ . وَقَالُوا فِي جُمْلَةِ مَا شَكَوْهُ : إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، انْتَهَى .
( يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ تُؤَدِّبُنِي وَالْمَعْنَى تُعَلِّمُنِي الصَّلَاةَ ، أَوْ تُعَيِّرُنِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنُهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ : أَيْ تُوقِفُنِي ، وَالتَّعْزِيرُ التَّوْقِيفُ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ تُقَوِّمُنِي وَتُعَلِّمُنِي ، وَمِنْهُ تَعْزِيرُ السُّلْطَانِ وَهُوَ التَّقْوِيمُ بِالتَّأْدِيبِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا أَنْكَرَ أَهْلِيَّةَ بَنِي أَسَدٍ ؛ لِتَعْلِيمِهِ الْأَحْكَامَ مَعَ سَابِقِيَّتِهِ وَقِدَمِ صُحْبَتِهِ . وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : مَعْنَى تُعَزِّرُنِي تَلُومُنِي وَتَعْتِبُنِي .
وَقِيلَ : تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ . ( لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ ) مِنَ الْخَيْبَةِ : أَيْ مَعَ سَابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ أُحْسِنِ الصَّلَاةَ وَأَفْتَقِرُ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ كُنْتُ خَاسِرًا ( وَضَلَّ عَمَلِي ) : أَيْ فِيمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِي مَعَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنْ قِيلَ كَيْفَ سَاغَ لِسَعْدٍ أَنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ ، وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ تَرْكُ ذَلِكَ ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ لَمَّا عَيَّرَهُ الْجُهَّالُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، فَاضْطُرَّ إِلَى ذِكْرِ فَضْلِهِ ، وَالْمِدْحَةُ إِذَا خَلَتْ عن الْبَغْيِ وَالِاسْتِطَالَةِ ، وَكَانَ مَقْصُودُ قَائِلِهَا إِظْهَارَ الْحَقِّ وَشُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ لَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ : إِنِّي لَحَافِظٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِتَفْسِيرِهِ وَبِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ ، قَاصِدًا إِظْهَارَ الشُّكْرِ ، أَوْ تَعْرِيفَ مَا عِنْدَهُ لِيُسْتَفَادَ ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَقَالَ عَلِيٌّ : سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَأَتَيْتُهُ . وَسَاقَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا وَآثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي الرِّقَاقِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَفِي الرَّقَائِقِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْفَضَائِلِ .
اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَصْحِيحَهُ لَهُ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِنْدَهُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .