بَاب كَرَاهِيَةِ الْمِدْحَةِ وَالْمَدَّاحِينَ 2393 حَدَّثَنَا بندار ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، قَالَ : قَامَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى أَمِيرٍ مِنْ الْأُمَرَاءِ فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ بن الأسود يَحْثُو فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ ، وَقَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى زَائِدَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ ، وَأَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ ، وَيُكْنَى أَبَا مَعْبَدٍ ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ . ( بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمِدْحَةِ وَالْمَدَّاحِينَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مَدَحَهُ كَمَنَعَهُ مَدْحًا وَمِدْحَةً : أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، كَمَدَحَهُ وَامْتَدَحَهُ ، وَالْمَدِيحُ وَالْمِدْحَةُ وَالْأُمْدُوحَةُ مَا يُمْدَحُ بِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ ) قِيلَ : يُؤْخَذُ التُّرَابُ وَيُرْمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْمَدَّاحِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ ، إِذِ الْمَالُ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْضِ فِي كُلِّ بَابٍ ، أَيْ أَعْطُوهُمْ إِيَّاهُ ، وَاقْطَعُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ لِئَلَّا يَهْجُوكُمْ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ عَطَاءً قَلِيلًا فَشبهه لِقِلَّتِهِ بِالتُّرَابِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخَيِّبَ الْمَادِحَ وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا لِمَدْحِهِ ، وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْمَدْحِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّخْصَ مَغْرُورًا وَمُتَكَبِّرًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَدَّاحُونَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ . فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ الرَّجُلَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ ، وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ يَكُونُ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ عَلَى أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ . وَفِي شَرْحِ السِّتَّةِ : قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمِقْدَادُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي تَنَاوُلِ عَيْنِ التُّرَابِ وَحَثِّيهِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ أَيْ مَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَلَا تُعْطُوهُ وَاحْرِمُوهُ ، كَنَى بِالتُّرَابِ عَنِ الْحِرْمَانِ ، كَقَوْلِهِمْ : مَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التُّرَابِ ، وَكَقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا . قُلْتُ : الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ راويه مِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فَفِيهِ بُعْدٌ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : فِي الْمَدْحِ سِتُّ آفَاتٍ ، أَرْبَعٌ عَلَى الْمَادِحِ وَاثْنَتَانِ عَلَى الْمَمْدُوحِ ، أَمَّا الْمَادِحُ فَقَدْ يُفْرِطُ فِيهِ فَيَذْكُرُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَكُونُ كَذَّابًا ، وَقَدْ يُظْهِرُ فِيهِ مِنَ الْحُبِّ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ فَيَكُونُ مُنَافِقًا ، وَقَدْ يَقُولُ لَهُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ ، فَيَكُونُ مُجَازِفًا ، وَقَدْ يَفْرَحُ الْمَمْدُوحُ بِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ ظَالِمًا فَيُعْصَى بِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيُحْدِثُ فِيهِ كِبْرًا وَإِعْجَابًا ، وَقَدْ يَفْرَحُ فَيَفْسُدُ الْعَمَلُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ ) ؛ لِأَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ثِقَةٌ فَقِيهٌ جَلِيلٌ . وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، كَبِرَ فَتَغَيَّرَ وَصَارَ يَتَلَقَّنُ .
المصدر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37/h/371400
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة