حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب فِي الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ

2398 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا شريك ، عَنْ عَاصِمِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ في دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قدر دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

قَوْلُهُ : ( أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ ) أَيْ أَكْثَرُ وَأَصْعَبُ ( بَلَاءً ) أَيْ مِحْنَةً وَمُصِيبَةً ( قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ) أَيْ هُمْ أَشَدُّ فِي الِابْتِلَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالنَّعْمَاءِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُبْتَلَوْا لَتُوُهِّمَ فِيهِمُ الْأُلُوهِيَّةُ ، وَلِيُتَوَهَّنَ عَلَى الْأُمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى الْبَلِيَّةِ . وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ بَلَاءً كَانَ أَشَدَّ تَضَرُّعًا وَالْتِجَاءً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ( ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْأَمْثَلُ أَفْعَلُ مِنَ الْمَثَالَةِ وَالْجَمْعُ أَمَاثِلُ وَهُمُ الْفُضَلَاءُ . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيِ الْأَشْرَفُ فَالْأَشْرَفُ ، وَالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً . يَعْنِي مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ بَلَاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : " ثُمَّ " فِيهِ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَاءُ لِلتَّعَاقُبِ

[3/286]

عَلَى سَبِيلِ التَّوَالِي تَنَزُّلًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ وَاللَّامُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِلْجِنْسِ . قَالَ الْقَارِي : وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إِذْ لَا يَخْلُو واحد مِنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ مِحْنَةٍ وَجَسِيمِ بَلِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ زَمَنِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ) أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَنَقْصًا وَكَمَالًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، وَاللَّامُ فِي الرَّجُلِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُتَوَالِيَةِ ( فَإِنْ كَانَ ) تَفْصِيلٌ لِلِابْتِلَاءِ وَقَدْرِهِ ( فِي دِينِهِ صُلْبًا ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا ، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ ، وَاسْمُهُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ ( اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ) أَيْ : كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ( وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةً ) أَيْ ذَا رِقَّةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِقَّةٌ اسْمَ كَانَ ، أَيْ : ضَعْفٌ وَلِينٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : جَعَلَ الصَّلَابَةَ صِفَةً لَهُ ، وَالرِّقَّةَ صِفَةً لِدِينِهِ مُبَالَغَةً وَعَلَى الْأَصْلِ . قَالَ الْقَارِي : وَكَأَنَ الْأَصْلُ فِي الصُّلْبِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْجُثَثِ ، وَفِي الرِّقَّةِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعَانِي ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ ، انْتَهَى . ( ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ) أَيْ بِبَلَاءٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ ، وَالْبَلَاءُ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ ، فَمَنْ كَانَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَبَلَاؤُهُ أَغْزَرُ ( فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ ) أَيْ مَا يُفَارِقُ أَوْ مَا يُزَالُ ( بِالْعَبْدِ ) أَيِ الْإِنْسَانِ ( حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) كِنَايَةً عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ يَمْشِي مَا عَلَيْهِ بَأْسٌ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث