بَاب مِنْهُ
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قَوْلُهُ : ( شَفَاعَتِي ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّيْسِيرِ : الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى الْ الْعَهْدِيَّةِ ، أَيِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي وَعَدَنِي اللَّهُ بِهَا ادَّخَرْتُهَا ( لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) أَيْ لِوَضْعِ السَّيِّئَاتِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْكَبَائِرِ . وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فَلِكُلٍّ مِنَ الْأَتْقِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَّةِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : أَيْ شَفَاعَتِي الَّتِي تُنْجِي الْهَالِكِينَ مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الْكَبَائِرِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا ، وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَأَمْثَالُهُمَا . وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرُ بِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا ، وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْكُفَّارِ ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ ، وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : [ أَوَّلُهَا ] : مُخْتَصَّةٌ بِنَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلُ الْحِسَابِ . [ الثَّانِيَةُ ] : فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَهَذِهِ أَيْضًا وَرَدَتْ لِنَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ .
[ الثَّالِثَةُ ] : الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَيَشْفَعُ فِيهِمْ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ يَشَاءُ اللَّهُ تَعَالَى . [ الرَّابِعَةُ ] : فِي مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ ، فَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْمَلَائِكَةِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْكَافِرُونَ . [ الْخَامِسَةُ ] : الشَّفَاعَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ .