حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

باب كَانَ لَنَا قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ عَلَى بَابِي

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال : ثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قال : ثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ طَلَعَ علينا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنْ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فيه الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ هذا هُوَ مَدينِيٌّ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ كُوفِيٌّ رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّا لَجُلُوسٌ ) أَيْ لَجَالِسُونَ ( فِي الْمَسْجِدِ ) أَيْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ( إِذْ طَلَعَ ) أَيْ ظَهَرَ ( مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَ عُمَيْرٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا ( مَا عَلَيْهِ ) أَيْ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ ( إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ ) أَيْ كِسَاءٌ مَخْلُوطُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ ( مَرْقُوعَةٌ ) أَيْ مُرَقَّعَةٌ ( بِفَرْوٍ ) أَيْ بِجِلْدٍ . قَالَ مَيْرُكُ : هُوَ قُرَشِيٌّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَرَكَ النِّعْمَةَ وَالْأَمْوَالَ بِمَكَّةَ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ السَّاكِنِينَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي الْإِكْمَالِ : عَبْدَرِيٌّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ .

وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا ، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا ( فَلَمَّا رَآهُ ) أَيْ أَبْصَرَ مُصْعَبًا بِتِلْكَ الْحَالِ الصَّعْبَاءِ ( بَكَى لِلَّذِي ) أَيْ لِلْأَمْرِ الَّذِي ( كَانَ فِيهِ ) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ( وَاَلَّذِي هُوَ فِيهِ ) أَيْ وَلِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ ( الْيَوْمَ ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ ( كَيْفَ ) أَيِ الْحَالُ ( بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ ) أَيْ ذَهَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ ( فِي حُلَّةٍ ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ . أَيْ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ ( وَرَاحَ ) أَيْ ذَهَبَ آخِرَ النَّهَارِ ( فِي حُلَّةٍ ) أَيْ أُخْرَى مِنَ الْأُولَى ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ بِحَيْثُ يَلْبَسُ كُلٌّ مِنْكُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ حُلَّةً وَآخِرَهُ أُخْرَى مِنْ غَايَةِ التَّنَعُّمِ ( وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ ) أَيْ قَصْعَةٌ مِنْ مَطْعُومٍ ( وَرُفِعَتْ أُخْرَى ) أَيْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُتْرَفِينَ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أَصْنَافِ الْأَطْعِمَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَطْبَاقِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَنَعِّمِينَ ( وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ جُدْرَانَهَا . وَالْمَعْنَى زَيَّنْتُمُوهَا بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ مِنْ فَرْطِ التَّنَعُّمِ ( كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سِتْرَهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا لِامْتِيَازِهَا ( نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ ) وَبَيَّنُوا سَبَبَ الْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ مُسْتَأْنَفًا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ ( نَتَفَرَّغُ ) أَيْ عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ ( لِلْعِبَادَةِ ) أَيْ بِأَنْفُسِنَا ( وَنُكْفَى ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ ( الْمُؤْنَةَ ) أَيْ بِخَدَمِنَا وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ .

فَالْمَعْنَى نَدْفَعُ عَنَّا تَحْصِيلَ الْقُوتِ لِحُصُولِهِ بِأَسْبَابٍ مُهَيَّأَةٍ لَنَا فَنَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَبَرَّاتِ الْمَالِيَّةِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا ) أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْتُمْ ( أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ كَفَافٌ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَشْتَغِلُ بِدُنْيَاهُ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِثْلُ مَنْ لَهُ كَفَافٌ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ الْمَالِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مع قِصَّةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ لَفْظَهُ بِتَمَامِهِ . قَوْلُهُ ( وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ هَذَا هُوَ مَدِينِيٌّ إِلَخْ ) الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُسَمَّيْنِ بِيَزِيدَ .

فَالْأَوَّلُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ المَدِينِيّ الْمَذْكُورُ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالثَّانِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنْ أَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ ، وَالثَّالِثُ يَزِيدُ بْنُ أبي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَالطِّيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث