بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا
بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا
2525 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ زِيَادٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا وَزَهِدْنَا ، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ فَاكسْنَا أَهَالِينَا ، وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنَا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ ، لَزَارَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ ؟ قَالَ : مِنْ الْمَاءِ . قُلْت : الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا ؟ قَالَ : لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ ، مَنْ يدخلهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ ، وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ ، ولَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : ثَلَاث لَا يرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ ، وَيفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تبارك وتعالى : وَعِزَّتِي ، لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ .
هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَلكَ الْقَوِيِّ ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ ، أَبِي هُرَيْرَةَ . .
باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها
قَوْلُهُ : ( عَنْ زِيَادٍ الطَّائِيِّ ) مَجْهُولٌ ، أَرْسَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِنَ السَّادِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ .
قَوْلُهُ : ( وَزَهِدْنَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : زَهِدَ فِيهِ ؛ كَمَنَعَ وَسَمِعَ وَكَرُمَ زُهْدًا وَزَهَادَةً ، أَوْ هِيَ فِي الدُّنْيَا ، والزُّهْدُ فِي الدِّينِ ضِدُّ رَغِبَ ، انْتَهَى .
( فَأَنِسْنَا أَهَالِيَنَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْأُنْسُ بِالضَّمِّ وَبِالتَّحْرِيكِ ، وَالْأَنَسَةُ مُحَرَّكَةً ضِدُّ الْوَحْشَةِ ، وَقَدْ أَنِسَ بِهِ مُثَلَّثَةَ النُّونِ . انْتَهَى .
وَالْمَعْنَى : خَالَطْنَاهُمْ وَعَالَجْنَا أُمُورَهُمْ ، وَاشْتَغَلْنَا بِمَصَالِحِهِمْ .
( أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا ) أَيْ لَمْ نَجِدْهَا عَلَى مَا كَانَتْ عِنْدَكَ .
( لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ ) .
كَذَا فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ بِزِيَادَةِ لَفْظِ : " كُنْتُمْ بَيْنَ مِنْ عِنْدِي وَعَلَى حَالِكُمْ " وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهُ فَتَفَكَّرْ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيِّ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ : لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طرقكُمْ .
( وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) مِنْ جِنْسِكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ( كَيْ يُذْنِبُوا ) أَيْ فَيَسْتَغْفِرُوا ( فَيَغْفِرَ لَهُمْ ) لِاقْتِضَاءِ صِفَةِ الْغَفَّارِ وَالْغَفُورِ ذَلِكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ ، كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غَشَيَانِ الذُّنُوبِ ، بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ . وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ ، هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ
يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيئِينَ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَسْمَائِهِ الْغَفَّارُ الْحَلِيمُ التَّوَّابُ الْعَفُوُّ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ للْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى ، مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّيَ عَنْهُ وَيُحَذِّرُهُ عنْ مُدَانَاتِهِ وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ ، فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- بِهِ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ ، فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ ، فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا ، كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
( مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ قَالَ : مِنَ الْمَاءِ ) قِيلَ : أَيْ مِنَ النُّطْفَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ؛ أَيْ : وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ أَعْظَمُ مَوَارِدِهِ أَوْ لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ وَانْتِفَاعِهِ بِعَيْنِهِ ( قُلْتُ : الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا ) أَيْ : هَلْ مِنْ حَجَرٍ ، وَمَدَرٍ ، أَوْ خَشَبٍ ، أَوْ شَعْرٍ ؟ ( قَالَ : لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) أَيْ : بِنَاؤُهَا مُرَصَّعٌ مِنْهُمَا ( وَمِلَاطُهَا ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ؛ أَيْ : مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ ، فِي النِّهَايَةِ : الْمِلَاطُ الطِّينُ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ سَاقَتَيِ الْبِنَاءِ ، يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ يُخْلَطُ ( الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ ) أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ ( وَحَصْبَاءَهَا ) أَيْ : حَصْبَاؤُهَا الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ صَاحِبُ أَشِعَّةِ اللُّمَعَاتِ : أَيْ حَصْبَاؤُهَا الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا . قُلْتُ : الظَّاهِرُ هُوَ الْعُمُومُ ( اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ ) أَيْ مِثْلُهَما فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ ، ( وَتُرْبَتُهَا ) أَيْ مَكَانَ تُرَابِهَا ( الزَّعْفَرَانُ ) أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ ، وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ ، وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ . وَلَمَّا كَانَ السَّوَادُ يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ النَّارِ .
( مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ ) بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا فِي الْقَامُوسِ : الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ ، بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا ، وَبَئِسَ كَسَمِعَ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ ( يَخْلُدُ ) أَيْ يَدُومُ ، فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا ، ( لَا يَمُوتُ ) أَيْ لَا يَفْنَى ، بَلْ دَائِمًا يَبْقَى ( وَلَا تَبْلَى ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ ؛ أَيْ : لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ ( ثِيَابُهُمْ ) وَكَذَا أَثَاثُهُمْ ( وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ) أَيْ لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يُخَرِّفُونَ ، وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ . قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ ، وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا ، فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ ، وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ ( ثَلَاثٌ ) أَيْ ثَلَاثُ نُفُوسٍ ، وفِي الْمِشْكَاةِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ : ثَلَاثَةٌ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ ؛ أي : ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ ، أَوْ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ( الْإِمَامُ الْعَادِلُ ) أَيْ : مِنْهُمْ أَوْ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، ( وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ ) لِأَنَّهُ بَعْدَ عِبَادَةٍ ، حَالَ تَضَرُّعٍ وَمَسْكَنَةٍ ( وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ) كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ : وَالْمَظْلُومُ ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَظْلُومِيَّةُ لَيْسَتْ بِذَاتِهَا مَطْلُوبَةً ; عَدَلَ عَنْهُ ، قَالَهُ الْقَارِي .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ دَعْوَةُ الْإِمَامِ وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ، وَيَكُونُ بَدَلًا مِنْ دَعْوَتِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : يَرْفَعُهَا حَالٌ ، كَذَا قِيلَ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَيْ يَرْفَعُهَا خَبَرًا ؛ لِقَوْلِهِ : وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ، وَقُطِعَ هَذَا الْقَسِيمُ عَنْ أَخَوَيْهِ لِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ ، وَلَوْ فَاجِرًا أَوْ كَافِرًا ، وَيَنْصُرُ هَذَا الْوَجْهَ عَطْفُ قَوْلِهِ : " وَيَقُولُ الرَّبُّ " عَلَى قَوْلِهِ : " وَيُفْتَحُ " ، فَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ " يَرْفَعُهَا " لِلدَّعْوَةِ حِينَئِذٍ لَا لِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ . قَالَ الْقَارِي : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ ، وَإِنَّمَا بُولِغَ فِي حَقِّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَحِقَتْهُ نَارُ الظُّلْمِ ، وَاحْتَرَقَتْ أَحْشَاؤُهُ خَرَجَ مِنْهُ الدُّعَاءُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِانْكِسَارِ ، وَحَصَلَ لَهُ حَالَةُ الِاضْطِرَارِ ، فَيقبل دُعَاؤُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ( يَرْفَعُهَا ) أَيِ اللَّهُ ( فَوْقَ الْغَمَامِ ) أَيْ تُجَاوِزُ الْغَمَامَ ، أَيِ السَّحَابَ ( وَيَفْتَحُ ) أَيِ : اللَّهُ ( لَهَا ) أَيْ : لِدَعْوَتِهِ ( لَأَنْصُرَنَّكَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ ؛ أَيْ : أَيُّهَا الْمَظْلُومُ ، وَبِكَسْرِهَا ؛ أَيْ : أَيَّتُهَا الدَّعْوَةُ ، ( وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ) الْحِينُ يُسْتَعْمَلُ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِأَرْبَعِينَ سَنَةً . وَالْمَعْنَى : لَا أُضَيِّعُ حَقَّكَ ، وَلَا أَرُدُّ دُعَاءَكَ ، وَلَوْ مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ ؛ لِأَنِّي حَلِيمٌ ، لَا أُعَجِّلُ عُقُوبَةَ الْعِبَادِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الظُّلْمِ وَالذُّنُوبِ إِلَى إِرْضَاءِ الْخُصُومِ وَالتَّوْبَةِ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُمْهِلُ الظَّالِمَ وَلَا يُهْمِلُهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَلكَ الْقَوِيِّ ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ ) لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ زِيَادًا الطَّائِيَّ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَمَعَ هَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا .
اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ ؛ فَالْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ : مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ ، إِلَى قَوْلِهِ : لَزَارَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ : وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا إِلَى قَوْلِهِ : فَيَغْفِرُ لَهُمْ . وَهَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَالثَّالِثُ مِنْ قَوْلِهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ . وَالرَّابِعُ مِنْ قَوْلِهِ : ثَلَاثٌ لَا يرَدُّ دَعْوَتُهُمْ إِلَخْ ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي الدَّعَوَاتِ ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ كِتَابِ التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ .