بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ غُرَفِ الْجَنَّةِ
2527 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ جَنَّتَيْنِ من فضة ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَيْنِ من ذهب آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا ، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ هَذَا هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رضي الله عنه ، وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ اسْمُهُ عَمْرٌو أَوْ عَامِرٌ ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حَضَّارٍ ، كُنْيَتُهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، أَمَّرهُ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ بِصَفِّينَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ جَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ) أَيْ مِنَ الْقُصُورِ وَالْأَثَاثِ ؛ كَالسُّرُرِ ، وَكَقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ قِيلَ : قَوْلُهُ : مِنْ فِضَّةٍ خَبَرُ " آنِيَتُهُمَا " وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ " جَنَّتَيْنِ " أَوْ " مِنْ فِضَّةٍ " صِفَةُ قَوْلِهِ " جَنَّتَيْنِ " وَخَبَرُ " آنِيَتُهُمَا " مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ ، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى .
قَوْلُهُ : ( وَجَنَّتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ) ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ جَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ لَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَجَنَّتَيْنِ بِالْعَكْسِ ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ صِفَةِ بِنَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنَّ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ، أَنَّ الْأَوَّلَ صِفَةُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ آنِيَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَالثَّانِي صِفَةُ حَوَائِطِ الْجَنَّةِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ أَحَاطَ حَائِطَ الْجَنَّةِ ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ( وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ ) . قَالَ عِيَاضٌ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الِاسْتِعَارَةَ كَثِيرًا ، وَهُوَ أَرْفَعُ أَدَوَاتِ بَدِيعِ فَصَاحَتِهَا وَإِيجَازِهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : جَنَاحَ الذُّلِّ فَمُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُمْ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ تَاهَ ، فَمَنْ أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَفْضَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى التَّجْسِيمِ ، وَمَنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهَا إِمَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَقَلَتَهَا ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَوِّلَهَا ، كأَنْ يُقَالَ اسْتَعَارَ لِعَظِيمِ سُلْطَانِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ وَهَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ الْمَانِعِ إِدْرَاكَ أَبْصَارِ الْبَشَرِ مَعَ ضَعْفِهَا لِذَلِكَ رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ ، فَإِذَا شَاءَ تَقْوِيَةَ أَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ كَشَفَ عَنْهُمْ حِجَابَ هَيْبَتِهِ وَمَوَانِعَ عَظَمَتِهِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ مَانِعٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ ، فَكَأنَ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : " إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ " فَإِنَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِرَفْعِهِ ، فَيَحْصُلُ لَهُمُ الْفَوْزُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنِين إِذَا تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، لَوْلَا مَا عِنْدَهُمْ مِنْ هَيْبَةِ ذِي الْجَلَالِ لِمَا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّؤْيَةِ حَائِلٌ ، فَإِذَا أَرَادَ إِكْرَامَهُمْ حَفَّهُمْ بِرَأْفَتِهِ ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَقْوِيَتِهِمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : ثُمَّ وَجَدْتُ فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْحِجَابُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْشِفُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِكْرَامًا لَهُمْ . وَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الجنة يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وجَلَّ- : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : فَيَكْشِفُ لَهُمُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهِ بِهِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : الرِّدَاءُ اسْتِعَارَةٌ كَنَّى بِهَا عَنِ الْعَظَمَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الثِّيَابَ الْمَحْسُوسَةَ ، لَكِنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَنَّ الرِّدَاءَ وَالْإِزَارَ لَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ مِنَ الْعَرَبِ عَبَّرَ عَنِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ بِهِمَا ، وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ مُقْتَضَى عِزَّةِ اللَّهِ وَاسْتِغْنَاءهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ، لَكِنَّ رَحْمَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ اقْتَضَتْ أَنْ يُرِيَهُمْ وَجْهَهُ ؛ كَمَالًا لِلنِّعْمَةِ ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ فَعَلَ مِنْهُمْ خِلَافَ مُقْتَضَى الْكِبْرِيَاءِ ، فَكَأَنَّهُ رَفَعَ عَنْهُمْ حِجَابًا كَانَ يَمْنَعُهُمْ ، انْتَهَى .
( عَلَى وَجْهِهِ ) حَالٌ مِنْ رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ ( فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ) رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْمِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى النَّاظِرِينَ ؛ أَيْ : وَهُمْ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لَا إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا تَحْوِيهِ الْأَمْكِنَةُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ ، مِثْلُ : كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً ) أَيْ : عَظِيمَةً ( مُجَوَّفَةً ) أَيْ : وَاسِعَةَ الْجَوْفِ ( عَرْضُهَا ) وفِي رِوَايَةٍ : " طُولُهَا " وَيَتَحَصَّلُ بِالرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ طُولَهَا وَعَرْضَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتُّونَ مِيلًا ( فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ ) أَيْ : مِنَ الزَّوَايَا الْأَرْبَعِ ( مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ تِلْكَ الْخَيْمَةِ ( أَهْلٌ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ ( لَا يَرَوْنَ ) أَيْ : ذَلِكَ الْأَهْلُ ، وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ ( الْآخَرِينَ ) أَيِ : الْجَميعَ الْآخَرِينَ مِنَ الْأَهْلِ الْكَائِنِينَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ يَدُورُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ( الْمُؤْمِنُ ) قِيلَ : إِنَّ الْمَعْنَى يُجَامِعُ الْمُؤْمِنُ الْأَهْلَ ، وَأَنَّ الطَّوَافَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَامَعَةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .