مَا افْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ
2641 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَاد بن أنعم الْأَفْرِيقِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا : مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّرٌ ، لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو دَاوُدَ ) اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ ( الْحَفَرِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعٍ بِالْكُوفَةِ ثِقَةٌ ، عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ) الْمَعَافِرِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي ) مِنَ الْإِتْيَانِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِسُهُولَةٍ ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِمَعْنَى الْغَلَبَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْهَلَاكِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ( مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) مَا مَوْصُولَةٌ وَهِيَ مَعَ صِلَتِهَا فَاعِلُ " لَيَأْتِيَنَّ " ( حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ) حَذْوَ النَّعْلِ اسْتِعَارَةٌ فِي التَّسَاوِي ، وَقِيلَ : الْحَذْوُ الْقَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ أَيْضًا ، يُقَالُ : حَذَوْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ إِذَا قَدَّرْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ طَاقَاتِهَا عَلَى صَاحِبَتِهَا لِتَكُونَا عَلَى السَّوَاءِ ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ يَحْذُونَهُمْ حَذْوًا مِثْلَ حَذْوِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ أَيْ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَايَةِ الْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ كَمُطَابَقَةِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ( حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ ) حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْوَاقِعُ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وَقَوْلُهُ الْآتِي " لَكَانَ " إِمَّا جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ وَالْمَجْمُوعُ جَوَابُ الشَّرْطِ .
وَإِمَّا إِنْ بِمَعْنَى لَوْ كَمَا يَقَعُ عَكْسُهُ ، وَلَيْسَتْ إِنْ هَذِهِ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُثَقَّلَةِ كَمَا زُعِمَ ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ، عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ . وَفِي الْأَزْهَارِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفَةً أَيْ حَتَّى إِنَّهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ . وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ حَذْفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنْ " إِنْ " الْمَكْسُورَةِ ، فَمَنَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ( مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً ) إِتْيَانُهَا كِنَايَةٌ عَنِ الزِّنَا ( مَنْ يَصْنَعُ ) أَيْ يَفْعَلُ ( ذَلِكَ ) أَيِ الْإِتْيَانَ ( وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ) سَمَّى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- طَرِيقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِلَّةً اتِّسَاعًا وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ حَضْرَتِهِ تَعَالَى ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي جُمْلَةِ الشَّرَائِعِ دُونَ آحَادِهَا ، وَلَا تَكَادُ تُوجَدُ مُضَافَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا إِلَى آحَادِ أُمَّةِ النَّبِيِّ ، بَلْ يُقَالُ : مِلَّةُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ مِلَّتُهُمْ كَذَا ، ثُمَّ إِنَّهَا اتَّسَعَتْ فَاسْتُعْمِلَتْ فِي الْمِلَلِ الْبَاطِلَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَظُمَ تَفَرُّقُهُمْ وَتَدَيَّنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا تَدِينُ بِهِ غَيْرُهَا كَانَتْ طَرِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ كَالْمِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي التَّدَيُّنِ ، فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا مَجَازًا . وَقِيلَ : الْمِلَّةُ كُلُّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِرَقًا تَتَدَيَّنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا تَتَدَيَّنُ بِهِ الْأُخْرَى ( وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ) قِيلَ : فِيهِ إِشَارَةٌ لِتِلْكَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ زِيَادَةِ هَؤُلَاءِ فِي ارْتِكَابِ الْبِدَعِ بِدَرَجَةٍ ( إِلَّا مِلَّةً ) بِالنَّصْبِ أَيْ إِلَّا أَهْلَ مِلَّةٍ ( قَالُوا مَنْ هِيَ ) أَيْ تِلْكَ الْمِلَّةُ أَيْ أَهْلُهَا النَّاجِيَةُ ( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) أَيْ هِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَتَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ لَهُ لِاعْتِضَادِهِ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَفِيهِ : مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي ( مُفَسَّرٌ ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّفْسِيرِ أَيْ مُبَيَّنٌ بُيِّنَ فِيهِ مَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ .
وَاعْلَمْ : أَنَّ أُصُولَ الْبِدَعِ كَمَا نُقِلَ فِي الْمَوَاقِفِ ثَمَانِيَةٌ : الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُو أَعْمَالِهِمْ وَبِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَبِوُجُوبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً . وَالشِّيعَةُ الْمُفْرِطُونَ فِي مَحَبَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، وَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ فِرْقَةً ، وَالْخَوَارِجُ الْمُفْرِطَةُ الْمُكَفِّرَةُ لَهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَمَنْ أَذْنَبَ كَبِيرَةً وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً ، وَالْمُرْجِئَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ وَهِيَ خَمْسُ فِرَقٍ ، وَالنَّجَّارِيَّةُ الْمُوَافِقَةُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَحُدُوثِ الْكَلَامِ وَهُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ ، وَالْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلَةُ بِسَلْبِ الِاخْتِيَارِ عَنِ الْعِبَادِ فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَالْمُشَبِّهَةُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ الْحَقَّ بِالْخَلْقِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْحُلُولِ فِرْقَةً أَيْضًا ، فَتِلْكَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ ، وَالْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الْبَيْضَاءِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالطَّرِيقَةُ النَّقِيَّةُ الْأَحْمَدِيَّةُ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .