بَاب الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِة
بَاب الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعَةِ
2676 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ ، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قَدْ رَوَى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ ، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ ، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ يُكْنَى أَبَا نَجِيحٍ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ .
بَاب الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعَةِ
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو ) بْنِ عَبَسَةَ ( السُّلَمِيِّ ) الشَّامِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ الْعِرْبَاضِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ( بْنِ سَارِيَةَ ) السُّلَمِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ صَحَابِيٌّ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَنَزَلَ حِمْصَ .
قَوْلُهُ : ( ذَرَفَتْ ) أَيْ دَمَعَتْ ( وَوَجِلَتْ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ ( إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ) بِالْإِضَافَةِ ، فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ ، أَيْ كَأَنَّكَ تُوَدِّعُنَا بِهَا لِمَا رَأَى مِنْ مُبَالَغَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَوْعِظَةِ ( فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ) أَيْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُوصِينَا ( وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ) أَيْ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ ، أَيْ صَارَ أَمِيرًا أَدْنَى الْخَلْقِ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا عَنْ طَاعَتِهِ ، أَوْ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَأَطِيعُوهُ مَخَافَةَ إِثَارَةِ الْفِتَنِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ : وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا بِالنَّصْبِ ، أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ ؛ كَقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِيٍّ ، وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرَةٌ ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ ) .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ : فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ
بِقَوْلِهِ : كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً ، فَقَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي التَّرَاوِيحِ : نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلُ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ بِدْعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . ( فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ ) أَيْ زَمَنَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ ( فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي ) أَيْ فَلْيَلْزَمْ سُنَّتِي ( وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ) فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي ، فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا ، قَالَهُ الْقَارِي .
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ : إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَطَالُوا الْكَلَامَ فِي هَذَا وَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِهِ بِوُجُوهٍ أَكْثَرُهَا مُتَعَسِّفَةٌ ، وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا التَّرْكِيبُ بِحَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ ، فَالسُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْزَمُوا طَرِيقَتِي وَطَرِيقَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَقَدْ كَانَتْ طَرِيقَتُهُمْ هِيَ نَفْسُ طَرِيقَتِهِ ، فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَيْهَا وَعَمَلًا بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، وكَانُوا يَتَوَقَّوْنَ مُخَالَفَتَهُ فِي أَصْغَرِ الْأُمُورِ فَضْلًا عَنْ أَكْبَرِهَا . وَكَانُوا إِذَا أَعْوَزَهُمُ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَمِلُوا بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ بَعْدَ الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ وَالتَّشَاوُرِ وَالتَّدَبُّرِ ، وَهَذَا الرَّأْيُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ هُوَ أَيْضًا مِنْ سُنَّتِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : بِمَا تَقْضِي ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ أَوْ كَمَا قَالَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ، فَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا فِي بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ . فَإِنْ قُلْتَ : إِذَا كَانَ مَا عَمِلُوا فِيهِ بِالرَّأْيِ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ " وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ " ثَمَرَةٌ ، قُلْتُ : ثَمَرَتُهُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَدْرَكَ زَمَنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، أَوْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ وَزَمَنَ الْخُلَفَاءِ ، وَلَكِنَّهُ حَدَثَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي زَمَنِهِ فَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ ، فَأَشَارَ بِهَذَا الْإِرْشَادِ إِلَى سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إِلَى دَفْعِ مَا عَسَاهُ يَتَرَدَّدُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ وَيَخْتَلِجُ فِيهَا مِنَ الظُّنُونِ . فَأَقَلُّ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ مِنْ سُنتهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنَّهُ أَوْلَى مِنْ رَأْيِ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَكَثِيرًا مَا كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنْسَبُ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى أَصْحَابِهِ فِي حَيَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِنِسْبَتِهِ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْقُدْوَةِ وَمَكَانُ الْأُسْوَةِ ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ أَقِفْ عِنْدَ تَحْرِيرِهِ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ صَاحِبِ سُبُلِ السَّلَامِ فِي بَيَانِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ أَذَانِ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قِيلَ : هُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- ؛ لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- : قَالَ الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ، وَقَدِ انْتَهَى بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : وَوَصَفَ الرَّاشِدِينَ بِالْمَهْدِيِّينَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ : وَهُمُ الصِّدِّيقُ ، وَالْفَارُوقُ ، وَذُو النُّورَيْنِ ، وَأَبُو تُرَابٍ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَجْمَعِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَوَاظَبُوا عَلَى اسْتِمْطَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَخَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ ، وَالْمَنَاقِبِ السُّنِّيَّةِ ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَشَاقِّ الْأَسْفَارِ وَمُجَاهَدَةِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى وَالتَّصَدِّي إِلَى الرِّيَاسَةِ الْكُبْرَى لِإِشَاعَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ ، وَإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الشَّرْعِ الْمَتِينِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ ، وَازْدِيَادًا لِمَثُوبَاتِهِمْ ، انْتَهَى . ( عَضُّوا ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ ( بِالنَّوَاجِذِ ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ ، وَقِيلَ : هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ : هُوَ النَّابُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ ثَنَايَا ، وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ ، ثُمَّ أَرْبَعٌ رُبَاعِيَّاتٌ ، ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ ، ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ ، ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسٍ ، وَهِيَ الطَّوَاحِنُ ، ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ ، وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ ؛ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُه بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ ، كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ وَقَالَ : وَالْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَخَصَّ اثْنَيْنِ ، وَقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ ، فَخَصَّهُ ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قولا وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى . وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُحْدَثٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا الشُّهْرَةُ وَالْعَمَلُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ ، وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ أَوْ مَرْدُودًا إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا ضَلَالَةٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ إِلَخْ ) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَاحِ الْمِسْمَعِيُّ ، ثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ إِلَخْ ( وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ هَذَا بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الْكَلَاعِيُّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْحِمْصِيُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ