بَاب فِي الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب فِي الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ) أَيْ مُدَّةَ تَرْكِي إِيَّاكُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ ( فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ( بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ ) كَسُؤَالِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ وَقَضِيَّةِ الْبَقَرَةِ ( وَاخْتِلَافِهِمْ ) عُطِفَ عَلَى الْكَثْرَةِ لَا عَلَى السُّؤَالِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الِاخْتِلَافِ مُوجِبٌ لِلْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ الْكَثْرَةِ ( عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) يَعْنِي إِذَا أَمَرَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ السُّؤَالِ أَوْ قَبْلَهُ وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْإِهْلَاكَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَائتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ : هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْمُهِمَّةِ ، وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُعْطِيَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِ شُرُوطِهَا أَتَى بِالْبَاقِي ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ غَسَلَ الْمُمْكِنَ ، وَإِذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ أَوْ لِغَسْلِ النَّجَاسَةِ فَعَلَ الْمُمْكِنَ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ، فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، فَإِنْ وُجِدَ عُذْرٌ يُبِيحُهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ ، أَوِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِذَا أُكْرِهَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ .