بَاب مَا جَاءَ فِي كراهية التَّسْلِيمِ عَلَى الذِّمي
2701 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَهْطًا مِنْ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عَلَيْكُمْ " ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ، فقلت : عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ : قَدْ قُلْتُ : عَلَيْكُمْ .
وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ . حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( السَّامُ عَلَيْكَ ) مَعْنَى السَّامِ الْمَوْتُ ، وَأَلِفُهُ عَنْ وَاوٍ ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ ) أَيْ لِينَ الْجَانِبِ ، وَأَصْلُ الرِّفْقِ ضِدُّ الْعُنْفِ ( قَدْ قُلْتُ عَلَيْكُمْ ) أَيْ فِقْهًا لِهَذَا الْمَعْنَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا سَلَّمُوا لَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُمْ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، بَلْ يُقَالُ : عَلَيْكُمْ ، فَقَطْ أَوْ وعَلَيْكُمْ . وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ " عَلَيْكُمْ " ، " وَعَلَيْكُمْ " بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِإِثْبَاتِهَا ، وَعَلَى هَذَا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا : عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ، وَكُلُّنَا نَمُوتُ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَاوَ هَهُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ ، وَتَقْدِيرُهُ : وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الذَّمِّ . وَأَمَّا مَنْ حَذَفَ الْوَاوَ فَتَقْدِيرُهُ : بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُّ ، قَالَ الْقَاضِي : اخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ حَذْفَ الْوَاوِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَلَيْكُمُ السِّلَامُ ، بِكَسْرِ السِّينِ أَيِ الْحِجَارَةُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْفَ " وَعَلَيْكُمْ " بِالْوَاوِ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ وَاوٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْأَصْوَبُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَذَفَ الْوَاوَ صَارَ كَلَامُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً وَإِذَا أَثْبَتَ الْوَاوَ اقْتَضَى الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ . هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَالصَّوَابُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ وَحَذْفَهَا جَائِزَانِ ، كَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ وَأَنَّ الْوَاوَ أَجْوَدُ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لِأَنَّ السَّامَ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَوْلِهِ بِالْوَاوِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْكُفَّارِ وَابْتِدَائِهِمْ بِهِ . فَمَذْهَبُنَا تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِمْ بِهِ وَوُجُوبُ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُولَ : وَعَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ ، وَدَلِيلُنَا فِي الِابْتِدَاءِ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَفِي الرَّدِّ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ ، وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَذْهَبِنَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَعَامَّةُ السَّلَفِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ ابْتِدَائِنَا لَهُمْ بِالسَّلَامِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَابْنِ أَبِي مُحَيْرِيزٍ وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنَّهُ قَالَ : يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ ، وَلَا يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِالْجَمْعِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ ، بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ ، وَهِيَ حُجَّةٌ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ : لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ التَّسْلِيمِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .