حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْيَتِهِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ وَيُسَمِّيَ مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِمِ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكُنْيَتِهِ ) . اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا : الْعَلَمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَهُوَ اللَّقَبُ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ ، فَإِمَّا أَنْ يُصَدَّرَ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوِ ابْنٍ ، كَأَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْكُنْيَةُ ، أَوْ لَا وَهُوَ الِاسْمُ ، فَاسْمُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُحَمَّدٌ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَقَبُهُ : رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَإِنَّمَا كُنِّيَ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي التَّسَمِّي بِاسْمِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ .

قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ ، وَجَمَعَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ . أَحَدُهَا : مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِأَحَدٍ أَصْلًا ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ أَحْمَدَ أَمْ لَمْ يَكُنْ ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ يَعْنِي الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ . الثَّانِي : أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مَنْسُوخٌ ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ نُسِخَ ، قَالُوا : فَيُبَاحُ التَّكَنِّي الْيَوْمَ بِأَبِي الْقَاسِمِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، سَوَاءٌ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ أَوْ غَيْرُهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ .

قَالَ الْقَاضِي : وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، قَالُوا : وَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ جَمَاعَةً تَكَنَّوْا بِأَبِي الْقَاسِمِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ مَعَ كَثْرَةِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ . الثَّالِثُ : مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ وَالْأَدَبِ لَا لِلتَّحْرِيمِ . الرَّابِعُ : أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ ، وَلَا بَأْسَ بِالْكُنْيَةِ وَحْدَهَا لِمَنْ لَا يُسَمَّى بِوَاحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ جَابِرٍ .

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَنْهَى عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُطْلَقًا ، وَيَنْهَى عَنِ التَّسْمِيَةِ بِالْقَاسِمِ لِئَلَّا يُكَنَّى أَبُوهُ بِأَبِي الْقَاسِمِ ، وَقَدْ غَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ اسْمَ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ ، وَكَانَ سَمَّاهُ أَوَّلًا الْقَاسِمَ ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ أَيْضًا . السَّادِسُ : أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِمُحَمَّدٍ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ كُنْيَةٌ أَمْ لَا ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ محمدا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ : لَا تُسَمُّوا أَحَدًا بِاسْمِ نَبِيٍّ ، وَأَمَرَ جَمَاعَةً بِالْمَدِينَةِ بِتَغْيِيرِ أَسْمَاءِ أَبْنَائِهِمْ مُحَمَّدٍ حَتَّى ذَكَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَسَمَّاهُمْ بِهِ ، فَتَرَكَهُمْ .

قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَشْبَهُ أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا إِعْظَامٌ لِاسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يُنْتَهَكَ الِاسْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ : تُسَمُّونَهُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ . وَقِيلَ : سَبَبُ نَهْيِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ : فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَدَعَاهُ عُمَرُ فَقَالَ : أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُسَبُّ بِكَ واللَّهِ لَا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا بَقِيتَ ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ .

وَقَالَ الْقَارِي مُتَعَقِّبًا عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ مَا لَفْظُهُ : دَعْوَى النَّسْخِ مَمْنُوعَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ ، وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَدَعْوَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ .

قَالَ الْعَيْنِيُّ نَقْلًا عَنِ الْخَطَّابِيِّ : قَدْ يَحْدُثُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَيَزُولُ ذَلِكَ السَّبَبُ وَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ ، كَالْعَرَايَا وَالِاغْتِسَالِ لِلْجُمْعَةِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ ) أَيْ بَيْنَ اسْمِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكُنْيَتِهِ ( وَيُسَمِّي ) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ عَطْفٌ عَلَى يَجْمَعَ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو يَعْلَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث