باب
2948 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ ، ثَنَي صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ الرَّبِيعِ .
قَوْلُهُ : ( نَا الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ ) الْعُقَيْلِيُّ ، أَبُو الْمُثَنَّى الْبَصْرِيُّ أَوِ الْوَاسِطِيُّ ، ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ .
قَوْلُهُ : ( الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ ) ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ الَّذِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ بِتِلَاوَتِهِ ثُمَّ يَفْتَتِحُ التِّلَاوَةَ مِنْ أَوَّلِهِ ، شَبَّهَهُ بِالْمُسَافِرِ يَبْلُغُ الْمَنْزِلَ فَيَحِلُّ فِيهِ ثُمَّ يَفْتَتِحُ سَيْرَهُ أَيْ يَبْتَدِئُهُ ، وَكَذَلِكَ قُرَّاءُ مَكَّةَ إِذَا خَتَمُوا الْقُرْآنَ ابْتَدَأوا وَقَرَأوا الْفَاتِحَةَ وَخَمْسَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ إِلَى " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " ثُمَّ يَقْطَعُونَ الْقِرَاءَةَ ، وَيُسَمُّونَ فَاعِلَ ذَلِكَ الْحَالَّ الْمُرْتَحِلَ ؛ أَيْ خَتَمَ القُرْآنَ وَابْتَدَأَ بِأَوَّلِهِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِزَمَانٍ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْحَالِّ الْمُرْتَحِلِ الْغَازِي الَّذِي لَا يَقْفِلُ عنْ غَزْوٍ إِلَّا عَقَّبَهُ بِآخَرَ . انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْإِعْلَامِ ( ص 289 ج 2 ) بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ : فَهِمَ مِنْ هَذَا بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ خَتْمِ الْقُرْآنِ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُ حَلَّ بِالْفَرَاغِ وَارْتَحَلَ بِالشُّرُوعِ ، وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ : الَّذِي كُلَّمَا حَلَّ مِنْ غَزَاةٍ ارْتَحَلَ فِي أُخْرَى ، أَوْ كُلَّمَا حَلَّ مِنْ عَمَلٍ ارْتَحَلَ إِلَى غَيْرِهِ تَكَمُّلًا لَهُ كَمَا كَمَّلَ الْأَوَّلَ ، وَأَمَّا هَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ فَلَيْسَ مُرَادَ الْحَدِيثِ قَطْعًا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ أَنْ ( يَضْرِبَ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ ) ، وَهَذَا لَهُ مَعْنَيَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كُلَّمَا حَلَّ مِنْ سُورَةٍ أَوْ جُزْءٍ ارْتَحَلَ فِي غَيْرِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كُلَّمَا حَلَّ مِنْ خَتْمَةٍ ارْتَحَلَ فِي أُخْرَى . انْتَهَى .
قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ التَّفْسِيرُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَيِّمِ مُتَّصِلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : قَالَ : وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ ؟ قَالَ : ( الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ ) . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ أَوْ قَالَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ " . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ ؟ قَالَ : " فَتْحُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَمِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ السَّيْرُ دَائِمًا لَا يَفْتُرُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَمِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ ، فَقَارِئُ خَمْسِ آيَاتٍ وَنَحْوِهَا عِنْدَ الْخَتْمِ لَمْ يُحَصِّلْ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِارْتِحَالُ لِفَوْرِ الْحُلُولِ ، فَالْمُسَافِرُ السَّائِرُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْزِلَ فَيُقِيمَ لَيْلَةً أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ يُعَرِّسَ . انْتَهَى .
قُلْتُ : الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ ، واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . . . إِلَخْ ) ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا عَرَفْتَ ، وَفِي سَنَدِهِمَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
قَوْلُهُ : ( نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ الْأَزْدِيُّ ، ( وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ ) ؛ أَيْ حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ مُرْسَلًا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ مُتَّصِلًا ؛ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ وَالْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ ضَعِيفٌ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَفَرَّدِ الْهَيْثَمُ بِرِوَايَتِهِ مُتَّصِلًا ، بَلْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نَصْرٍ الْمَذْكُورَةِ .