وَمِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . ح وَثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ ، نَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ قَالَ : أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، وقَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي ؛ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى . فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا ، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، وَقَالَتْ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي الْبَاب عَنْ حَفْصَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ) ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَآذِنِّي ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ؛ أَيْ أَعْلِمْنِي . ( فَأَمْلَتْ عَلَيَّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ مِنْ أَمْلَى ، وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً مِنْ أَمْلَلَ يُمْلِلُ ؛ أَيْ أَلْقَتْ عَلَيَّ ، فَالْأُولَى لُغَةُ الْحِجَازِ وَبَنِي أَسَدٍ ، وَالثَّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَقَيْسٍ . ( وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ) بِالْوَاوِ الْفَاصِلَةِ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى غَيْرُ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ .
وَأُجِيبَ بِوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ شَاذَّةٌ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنَّ نَاقِلَهَا لَمْ يَنْقُلْهَا إِلَّا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ، وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لَا يَثْبُتُ خَبَرًا ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَثَانِيهَا : أَنْ يَجْعَلَ الْعَطْفَ تَفْسِيرِيًّا ، فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ . وَثَالِثُهَا : أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِيهِ زَائِدَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا .
( وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ) بِغَيْرِ وَاوٍ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، وَجَمَعَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مَشْهُورًا سَمَّاهُ كَشْفُ الْغَطَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشْرَ قَوْلًا ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَرَجَّحَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ صَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : كَوْنُهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِ أَحْمَدَ وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَابْنُ عَطِيَّةَ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الرَّاجِحَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَنَّهَا الْعَصْرُ .
قَانِتِينَ ، قِيلَ : مَعْنَاهُ مُطِيعِينَ ، وَقِيلَ : سَاكِتِينَ ؛ أَيْ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ لَا مُطْلَقِ الصَّمْتِ ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا صَمْتَ فِيهَا ، بَلْ جَمِيعُهَا قُرْآنٌ وَذِكْرٌ . ( وَقَالَتْ : سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَتْ ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، فَلَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْلَمْ بِنَسْخِهَا أَوِ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا مِمَّا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ لِتَأْكِيدِ فَضِيلَتِهَا فَظَنَّتْهَا قُرْآنًا فَأَرَادَتْ إِثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ لِذَلِكَ ؛ قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حَفْصَةَ ) ، أَخْرَجَهُ مَالِكُ فِي مُوَطَّأهِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .