وَمِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
3061 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ الْبَصْرِيُّ ، نا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ، ثنا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَتْ الْمَائِدَةُ مِنْ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا ، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ مَوْقُوفًا ، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ، وَلَا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَصْلًا .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ ) بِفَتْحِ قَافٍ وَسُكُونِ زَايٍ وَفَتْحِهَا وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ : ابْنُ عُبَيْدٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ مِنْ الْعَاشِرَةِ ( نا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ) الْبَصْرِيُّ الْبَزَّازُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( ثنا سَعِيدٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ثِقَةٌ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَمَّارٍ .
قَوْلُهُ : ( أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ ) قَالَ الرَّاغِبُ : الْمَائِدَةُ الطَّبَقُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَيُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَائِدَةٌ ، أَيْ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ أَوْ بِذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ ( خُبْزًا وَلَحْمًا ) تَمْيِيزٌ ( وَأُمِرُوا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( وَلَا يَدَّخِرُوا ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُبَدَّلَةِ مِنَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ مِنَ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ التَّخْبِيَةُ ( لِغَدٍ ) أَيْ لِيَوْمٍ عَقِبَ يَوْمِ نُزُولِ الْمَائِدَةِ أَوْ لِوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ بَعْدَهُ ( فَمُسِخُوا ) أَيْ فَغَيَّرَ اللَّهُ صُوَرَهُمُ الْإِنْسَانِيَّةَ بَعْدَ تَغْيِيرِ سِيرَتِهِمُ الْإِنْسِيَّةِ ( قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ) مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ مَسَخَهُ كَمَنَعَهُ : حَوَّلَ صُورَتَهُ إِلَى أُخْرَى أَقْبَحَ وَمَسَخَهُ اللَّهُ قِرْدًا فَهُوَ مِسْخٌ وَمَسِيخٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : حَالَانِ مُقَدَّرَتَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ شَبَابَهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَشُيُوخَهُمْ خَنَازِيرَ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ( رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ ) اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ .
تَنْبِيهٌ : ذكر التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَمَّارٍ الْمَذْكُورَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَـزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾.
قال الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ آثَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا لَفْظُهُ : وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيَّامَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِجَابَةً مِنَ اللَّهِ لِدَعْوَتِهِ ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ . قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَـزِّلُهَا عَلَيْكُمْ الْآيَةَ .
وقال قَائِلُونَ : إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فَرَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ أَنْـزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ، وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ : إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ ، وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ . وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ مُتَوَاتِرًا ، وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ . وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، أَخْبَرَ نُزُولَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنِّي مُنَـزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ قَالَ : وَوَعْدُ اللَّهِ وَوَعِيدُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، وَهَذَا الْقَوْلُ واللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الصَّوَابُ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَار وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ . انْتَهَى كَلَامُهُ بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ .