وَمِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ
3096 حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ ، نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أنا هَمَّامٌ ، أنا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا يروى مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامٍ نَحْوَ هَذَا .
قَوْلُهُ : ( أنا هَمَّامٌ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ الْعَوْذِيُّ ( أنا ثَابِتٌ ) هُوَ الْبُنَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ ( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ) فِيهِ مَجِيءُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ لِلِاسْتِقْبَالِ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِمَجِيءِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَالَهُ حَالَةَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الْغَارِ ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ يَكُونُ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى صِيَانَتِهِمَا مِنْهُمْ ، وَوَقَعَ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ . قَالَ : وَأَتَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْغَارُ الَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ ، وَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْخَوْفُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا الْآيَةَ . وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ قَالَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ حِينَئِذٍ ، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : لَا تَحْزَنْ . فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا .
قَالَ الْحَافِظُ فِي رِوَايَةِ مُوسَى : فَقَالَ : اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ، وَقَوْلُهُ : اثْنَانِ ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، تَقْدِيرُهُ نَحْنُ اثْنَانِ ، وَمَعْنَى ثَالِثُهُمَا : نَاصِرُهُمَا وَمُعِينُهُمَا ، وَإِلَّا فاللَّهُ ثَالِثُ كُلِّ اثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ . انْتَهَى .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ ثَالِثُهُمَا بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ وَالْحِفْظِ وَالتَّسْدِيدِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾وَفِيهِ بَيَانُ عَظِيمِ تَوَكُّلِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَتَّى فِي هَذَا الْمَقَامِ ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ مَنَاقِبِهِ ، وَالْفَضِيلَةُ مِنْ أَوْجُهٍ : مِنْهَا هذا اللفظ ، ومِنْهَا بَذْلُهُ نَفْسَهُ وَمُفَارَقَتُهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَرِيَاسَتَهُ فِي طَاعَةِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُلَازَمَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ فِيهِ ، وَمِنْهَا جَعْلُهُ نَفْسَهُ وِقَايَةً عَنْهُ . وَغَيْرُ ذَلِكَ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .