حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

سُورَةِ الْكَهْفِ

سُورَةِ الْكَهْفِ

بسم الله الرحمن الرحيم

3149 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الْخَضِرِ ، قَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ : أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ، قَالَ موسى : أَيْ رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ : احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، فَجَعَلَ مُوسَى حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى إذا أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمِكْتَلِ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ، قَالَ : فأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ ، وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا وَنُسِّيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ : وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ مُوسَى : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا قَالَ : يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا ، قَالَ سُفْيَانُ : يَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ ، لَا يُصِيبُ مَاؤُهَا مَيِّتًا إِلَّا عَاشَ ، قَالَ : وَكَانَ الْحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنْهُ فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ ، قَالَ : فَقَصَّا آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى ، فَقَالَ : أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ ؟ فقَالَ : أَنَا مُوسَى ، فقَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ الله لَا أَعْلَمُهُ ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ ، فَقَالَ مُوسَى : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ، ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٦٧ ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ٦٨ ، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ لَهُ الْخَضِرُ : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا قَالَ : نَعَمْ ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فعَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ ، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ وَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ ، فقَالَ لَهُ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ : وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى ، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يَقُولُ مَائِلٌ ، فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى : قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا ، قَالَ : فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأُولَى كَانَتْ مِنْ مُوسَى نِسْيَانا ، قَالَ : وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ : مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ الْبَحْرِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : وَكَانَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - يَقْرَأُ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ، وَكَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَالَ أَبُو مُزَاحِمٍ السَّمَرْقَنْدِيَّ ، قال عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ : حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سُفْيَانَ قَبْلِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَبَرَ .

( سُورَةِ الْكَهْفِ )

مَكِّيَّةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً

( إِنَّ نَوْفًا ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا فَاءٌ : هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ ( الْبِكَالِيُّ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْكَافِ مُخَفَّفًا ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي بِكَالِ بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفٍ ، بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ ، وَيُقَالُ إِنَّهُ ابْنُ امْرَأَةِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَقِيلَ ابْنُ أَخِيهِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَدُوقٌ ( يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الْخَضِرِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ مُوسَى الَّذِي طَلَبَ الْعِلْمَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا ، أَيِ ابْنُ إفراثيم بْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْهُ يَا سَعِيدُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : كَذَبَ نَوْفٌ .

قال ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ : كَانَ مُوسَى بْنُ ميشا قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَيَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ الَّذِي صَحِبَ الْخَضِرَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ( قَالَ : كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) هَذَانِ اللَّفْظَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْ تَصْدِيقِ تِلْكَ الْمُقَالَةِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِخْرَاجَ نَوْفٍ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ قُلُوبُ الْعُلَمَاءِ تَتَنَفَّرُ إِذَا سَمِعَتْ غَيْرَ الْحَقِّ ، فَيُطْلِقُونَ أَمْثَالَ هَذَا الْكَلَامِ لِقَصْدِ الزَّجْرِ ، وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ ( فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) الْعَتْبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيِّ فِي الْآدَمِيِّينَ كَنَظَائِرِهِ ( أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ) اخْتُلِفَ فِي مَكَانِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِيهِ ثُمَّ قَالَ : هَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ ( أَيْ رَبِّ ) أَصْلُهُ رَبِّي حُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرِ ( فَكَيْفَ لِي بِهِ ) أَيْ كَيْفَ الِالْتِقَاءُ لِي بِذَلِكَ الْعَبْدِ ( احْمِلُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : هُوَ زِنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقِيلَ لَهُ : تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا .

قال الْحَافِظُ : يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُوتَ كَانَ مَيِّتًا ; لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّحُ وَهُوَ حَيٌّ ( فَهُوَ ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ظَرْفٌ بِمَعْنَى هُنَاكَ ، وَقَالَتِ النُّحَاةُ : هُوَ اسْمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ ، أَيْ فَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ( فَتَاهُ ) أَيْ صَاحِبُهُ ( وَهُوَ يُوشَعُ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( بْنُ نُونٍ ) مَصْرُوفٌ كَنُوحٍ . وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ هَذَا مِنْ أَوْلَادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا قَالَ فَتَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُهُ وَيَتْبَعُهُ ، وَقِيلَ كَانَ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى ( حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ ) أَيِ الَّتِي عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ، وَالصَّخْرَةُ فِي اللُّغَةِ الْحَجَرُ الْكَبِيرُ ( فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ ) أَيْ جَرَيَانَهُ ( حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ ) الطَّاقُ مَا عُطِفَ مِنَ الْأَبْنِيَةِ أَيْ جُعِلَ كَالْقَوْسِ مِنْ قَنْطَرَةٍ وَنَافِذَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْكَوَّةِ ( وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ) أَيْ مَسْلَكًا وَمَذْهَبًا يَسْرَبُ وَيَذهبُ فِيهِ ( وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا ) أَيْ شَيْئًا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ آتِنَا غَدَاءَنَا أَيْ طَعَامَنَا وَزَادَنَا نَصَبًا أَيْ : شِدَّةً وَتَعَبًا ( ولَمْ يَنْصَبْ ) أَيْ لَمْ يَتْعَبْ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ .

وفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ أَرَأَيْتَ أَيْ أَخْبِرْنِي إِذْ ظَرْفٌ بِمَعْنَى حِينَ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَرَأَيْتَ مَا دَهَانِي إِذْ أَوَيْنَا إِلَخْ ذَلِكَ أَيْ فُقْدَانُ الْحُوتِ مَا كُنَّا نَبْغِ أَيْ هُوَ الَّذِي كَنا نَطْلُبُهُ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ وُجْدَانِ الْمَقْصُودِ فَارْتَدَّا أَيْ رَجَعَا عَلَى آثَارِهِمَا أَيْ آثَارِ سَيْرِهِمَا قَصَصًا أَيْ يَقُصَّانِ قَصَصًا ( يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا ) قال فِي الْقَامُوسِ : قَصَّ أَثَرَهُ قَصًّا وَقَصَصًا تَتَبَّعَهُ ، وَقَالَ فِيهِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا أَيْ رَجَعَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَاهُ يَقْتَصَّانِ الْأَثَرَ .

قَالَ سُفْيَانُ : يَزْعُمُ نَاسٌ إِلَى قَوْلِهِ ( فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : قال سُفْيَانُ : وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عُمَرَو قَالَ : وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَه الْحَيَاةُ ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ ، فَأَصَابَ الْحُوتُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ ، قَالَ : فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ .

قال الْحَافِظُ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهَا فِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍ ، وقَدْ أَخْرَجَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجَةً فِي حَدِيثِ عَمْرٍو ، وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : فَأَتَى عَلَى عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ ، فَلَمَّا أَصَابَ تِلْكَ الْعَيْنَ رَدَّ اللَّهُ رُوحَ الْحُوتِ إِلَيْهِ . وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَقَالَ : لَا أَرَى هَذَا يَثْبُتُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ . انْتَهَى .

وَقَوْلُهُ قَطَرَ عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنَ الْقَطْرِ : وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ جكيدن وجكانيدن لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ( مُسَجًّى ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّسْجِيَةِ أَيْ مُغَطًّى ( فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَالَ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ( فَقَالَ : أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ ) قَالَ الْحَافِظُ : هِيَ بِمَعْنَى أَيْنَ أَوْ كَيْفَ ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ اسْتِبْعَادٍ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا إِذْ ذَاكَ مُسْلِمِينَ ( فَقَالَ : أَنَا مُوسَى ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى ( إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ ) أَيْ لَا أَعْلَمُ جَمِيعَهُ ( وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ ) أَيْ لَا تَعْلَمُ جَمِيعَهُ . وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ ; لِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ يَعْرِفُ مِنَ الْحُكْمِ الظَّاهِرِ مَا لَا غِنًى بِالْمُكَلَّفِ عَنْهُ ، وَمُوسَى كَانَ يَعْرِفُ مِنَ الْحُكْمِ الْبَاطِنِ مَا يَأْتِيهِ بِطَرِيقِ

[4/142]

الْوَحْيِ رَشَدًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ ، أَيْ عِلْمًا رَشَدًا أَيْ ذَا رَشَدٍ ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا كَذَا أُطْلِقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ النَّفْيِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُوسَى لَا يَصْبِرُ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ إِذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ عِصْمَتِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْهُ مُوسَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ ، بَلْ مَشَى مَعَهُ لِيُشَاهِدَ مِنْهُ مَا اطَّلَعَ بِهِ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ وَكَيْفَ تَصْبِرُ اسْتِفْهَامٌ عَنْ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ : لِمَ قُلْتَ أَنِّي لَا أَصْبِرُ وَأَنَا سَأَصْبِرُ؟ قَالَ : كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا أَيْ عِلْمًا ( فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ ) لَمْ يَذْكُرْ فَتَى مُوسَى وَهُوَ يُوشَعُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ ( فَكَلَّمَاهُمْ ) أَيْ أَهْلُ السُّفَيَّةِ ( بِغَيْرِ نَوْلٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ ( فَنَزَعَهُ ) أَيْ قَلَعَهُ إِمْرًا أَيْ مُنْكَرًا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ : أَوْ عَظِيمًا ، قَالَهُ قَتَادَةُ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ كَلِمَةُ " مَا " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَيْ بِاَلَّذِي نَسِيتُ ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ نَسِيتُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِنِسْيَانِي ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنَى شَيْءٍ ، أَيْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ لَا تُرْهِقْنِي أَيْ لَا تُكَلِّفْنِي عُسْرًا أَيْ مَشَقَّةً فِي صُحْبَتِي إِيَّاكَ ، أَيْ عَامِلْنِي فِيهَا بِالْعَفْوِ وَالْيُسْرِ ( فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ذَبَحَهُ ثُمَّ اقَتَلَعُ رَأْسَهُ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً أَيْ طَاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَكَ عَلَيْهَا نُكْرًا أَيْ مُنْكَرًا وَعَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ كَيْسَانَ : النُّكْرُ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنَ الْإِمْرِ ( وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى ) أَيْ أَوْكَدُ مِنَ الْأُولَى حَيْثُ زَادَ كَلِمَةَ لَكَ فَلَا تُصَاحِبْنِي أَيْ فَارِقْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا أَيْ بَلَغْتَ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي تُعْذَرُ بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ قِيلَ هي الْأَيْلَةُ ، وَقِيلَ أَنْطَاكِيَّةُ ، وَقِيلَ : أَذْرَبِيجَانُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَقْوَالًا عَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ : هَذَا الِاخْتِلَافُ قَرِيبٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ، وَشِدَّةُ الْمُبَايَنَةِ فِي ذَلِكَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَوْثُقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا أَيْ يُنْزِلُوهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ فِيهَا أَيْ فِي الْقَرْيَةِ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هَذَا مِنَ الْمَجَازِ ; لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةُ إِرَادَةٍ ، أَيْ قَرُبَ وَدَنَا مِنَ الِانْقِضَاضِ وَهُوَ السُّقُوطُ ، وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُودِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَلَهُ نَظَائِرُ مَعْرُوفَةٌ ( يَقُولُ مَائِلٌ ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا ) أَيْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ ( قَوْمٌ ) أَيْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَوْ هُمْ قَوْمٌ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا أَيْ أُجْرَةً وَجُعْلًا قَالَ أَيِ الْخَضِرُ لِمُوسَى هَذَا فِرَاقُ أَيْ وَقْتُ فِرَاقٍ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِيهِ إِضَافَةٌ بَيْنَ إِلَى غَيْرِ مُتَعَدِّدٍ سَوَّغَهَا تَكْرِيرُهُ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ سَأُنَبِّئُكَ قَبْلَ فِرَاقِي " يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى " إِخْبَارٌ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْإِنْشَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَهُ بِالرَّحْمَةِ " الْأُولَى " صِفَةٌ مَوْصُوفُهَا مَحْذُوفٌ ، أَيِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " نِسْيَانًا " خَبَرُ كَانَتْ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَتِ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا . قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ : نِسْيَانًا حَيْثُ قَالَ : لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتَ ؟ وَشَرْطًا حَيْثُ قَالَ : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ، وَعَمْدًا حَيْثُ قَالَ : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا " وَجَاءَ عُصْفُورٌ " بِضَمِّ أَوَّلِهِ طَيْرٌ مَشْهُورٌ ، وَقِيلَ هُوَ الصُّرَدُ " عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ " أَيْ عَلَى طَرَفِهَا " مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ " لَفْظُ النَّقْصِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ النَّقْصُ ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذْ ، وَهَذَا تَوْجِيهٌ حَسَنٌ وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ وَاقِعًا عَلَى الْآخْذِ لَا عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومُ بِدَلِيلِ دُخُولِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْقَائِمَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ قَائِمَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ ، وَالْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي يَتَبَعَّضُ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّ نَقْصَ الْعُصْفُورِ لَا يَنْقُصُ الْبَحْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ كَمَا قِيلَ :

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ .

أَيْ لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ .

وَحَاصِلُهُ : أَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ أُطْلِقَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ ، وَقِيلَ إِلَّا بِمَعْنَى وَلَا ، أَيْ وَلَا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظٍ أَحْسَنَ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَأَبْعَدَ إِشْكَالًا ، فَقَالَ : مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ هُنَا ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ( يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ ) وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ( مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ ) كَذَا كَانَ يَقْرَأُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ صَالِحَةٍ بَعْدَ كُلَّ سَفِينَةٍ ، وَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ أُبَيٌّ ، فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : وَكَانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا ( وَكَانَ يَقْرَأُ ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا ) وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ : وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ ، وَمُسْلِمٌ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالنَّسَائِيُّ ( قَالَ أَبُو مُزَاحِمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ) اسْمُهُ

[4/143]

سِبَاعٌ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ابْنُ النَّضْرِ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ( وَلَيْسَتْ لِي هِمَّةٌ ) بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ وَأُوِّلَ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ الْقَوى ( إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرَ ) أَيْ لَفْظَ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا ( حَتَّى سَمِعْتُهُ ) أَيْ سُفْيَانَ ( يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَقَدْ كُنْتَ سَمِعْتَ هَذَا ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ ( مِنْ سُفْيَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ سُفْيَانُ لَفْظَ : حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا ، بَلْ ذَكَرَ لَفْظَ عَنْ أَوْ قاَلَ أَوْ نَحْوَهُمَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْنَعِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ عَلَى مَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ سُفْيَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ ، وَإِنْ كَانَ تَدْلِيسُهُ مِنَ الثِّقَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث