سُورَةِ يس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ الْوَاسِطِيُّ ، نا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَتْ بَنُو سَلِمَةَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ ، فَأَرَادُوا النُّقْلَةَ إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلَا تَنْتَقِلُوا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبُو سُفْيَانَ هُوَ طَرِيفٌ السَّعْدِيُّ . ( سُورَةُ يس ) مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ آيَةً .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ) الْعَبْدِيِّ الْوَاسِطِيِّ . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ بَنُو سَلِمَةَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرُهُمْ ( فَأَرَادُوا النُّقْلَةَ ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيِ الِانْتِقَالَ ، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي قَلْبَ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَدْ مَاتَتْ قُلُوبُهُمْ بِالضَّلَالَةِ ، فَيَهْدِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ ، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا أَيْ فِي حَيَاتِهِمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ؛ لِيُجَازَوْا عَلَيْهِ ، وَآثَارَهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : نَكْتُبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي بَاشَرُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَآثَارَهُمُ الَّتِي أَثَرُوهَا مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ الْبَغَوِيِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ آثَارُ خُطَاهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ : مَا قَدَّمُوا أَعْمَالُهُمْ وَآثَارَهُمْ قَالَ : خُطَاهُمْ بِأَرْجُلِهِمْ . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ وَآثَارَهُمْ يَعْنِي خُطَاهُمْ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي إسماعيل هَذَا ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بَلْ فِي هَذَا تَنْبِيهٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَالْأَحْرَى : فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ تُكْتَبُ فَلَأَنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الَّتِي فِيهَا قُدْوَةٌ بِهِمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، انْتَهَى .
( إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ ) أَيْ يُكْتَبُ أَجْرُ خُطَاكُمْ وَثَوَابُ أَقْدَامِكُمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْبَزَّارُ .