سُورَةِ الْأَحْقَافِ
3257 حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ قَالَتْ : فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ) هُوَ ابْنُ الْمَأْمُونِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا رَأَى مَخِيلَةً ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ السَّحَابَةُ الَّتِي يُخَالُ فِيهَا الْمَطَرُ ( أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ : وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ أَيْ خَوْفًا أَنْ تُصِيبَ أُمَّتَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِ الْعَامَّةِ كَمَا أَصَابَ الَّذِينَ قَالُوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا الْآيَةَ ( فَإِذَا مَطَرَتْ ) أَيِ الْمَخِيلَةُ ( سُرِّيَ عَنْهُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنَ الْوَجَلِ ( فَقُلْتُ لَهُ ) أَيْ لِمَ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَيَتَغَيَّرُ وَجْهُكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَخِيلَةِ ؟ ( فَقَالَ : وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ ) أَيِ الْمَذْكُورَ مِنَ الْمَخِيلَةِ ( فَلَمَّا رَأَوْهُ أَيْ مَا هُوَ الْعَذَابُ ( عَارِضًا أَيْ سَحَابًا عَرَضَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ( مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا أَيْ مُمْطِرٌ إِيَّانَا بَعْدَهُ ، " بَلْ هُوَ " أَيْ قَالَ تَعَالَى : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ رِيحٌ بَدَلٌ مِنْ " مَا " فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ أَيْ مُؤْلِمٌ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَخْشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَذَّبَ الْقَوْمُ وَهُوَ فِيهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى كَرَامَةٍ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرفعه ، فَلَا يُتَخَيَّلُ انْحِطَاطُ دَرَجَتِهِ أَصْلًا .
قَالَ الْحَافِظُ : ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِ ، كَانَ إِذَا رَأَى فَعَلَ كَذَا . وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ بِالْمَذْكُورِينَ لَهُ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ ، أَوْ مَقَامُ الْخَوْفِ يَقْتَضِي غَلَبَةَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، وَأَوْلَى مِنَ الْجَمِيعِ أَنْ يُقَالَ خَشِيَ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ فِيهِمْ أَنْ يَقَعَ بِهِمُ الْعَذَابُ ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَشَفَقَة عَلَيْهِ لِإِيمَانِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلِرَجَاءِ إِسْلَامِهِ وَهُوَ بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .