سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3259 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ . رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( سُورَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَتُسَمَّى سُورَةَ الْقِتَالِ ، مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً .
قَوْلُهُ : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أَيِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمَّا رُبَّمَا يَصْدُرُ مِنْكَ مِنْ تَرْكِ الْأَوْلَى . وَقِيلَ لِتَسْتَنَّ بِهِ أُمَّتُهُ وَلِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ . وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَتَقِفُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِيهِ إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، حَيْثُ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِذُنُوبِهِمْ وَهُوَ الشَّفِيعُ الْمُجَابُ فِيهِمْ ( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ " . قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ تَأْكِيدًا لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ السَّامِعِ فِيهِ شَكٌّ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَيَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَقُولُ هَذَا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ " فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ رَبِّ
اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ ( فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً " . قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا لَفْظُهُ : وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : ( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ) . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُبَالَغَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ ، وَقَوْلُهُ " أَكْثَرَ " مُبْهَمٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمِائَةَ . قَوْلُهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ( وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ إِلَخْ ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .
[ تَنْبِيهٌ ] : قَدِ اسْتُشْكِلَ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعْصُومٌ ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ ، وَأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِغْفَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِغْفَارُهُ مِنَ الْغَيْنِ الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ مِنَ الْغَيْنِ فَتَرَاتٌ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ لِأَمْرٍ مَا ، عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ عَنْهُ ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ : هَفَوَاتُ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ . وَالْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ عُصِمُوا مِنَ الْكَبَائِرِ فَلَمْ يُعْصَمُوا مِنَ الصَّغَائِرِ ، كَذَا قَالَ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ وَالرَّاجِحُ عِصْمَتُهُمْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَيْضًا ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : الْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمَعْرِفَةِ ، فَهُمْ دَائِبُونَ فِي شُكْرِهِ ، مُعْتَرِفُونَ لَهُ بِالتَّقْصِيرِ انْتَهَى . وَمُحَصَّلُ جَوَابِهِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ رَاحَةٍ لِمُخَاطَبَةِ النَّاسِ ، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَمُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ تَارَةً وَمُدَارَاتِهِ أُخْرَى ، وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْجُبُهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ ، فَيَرَى ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقَامِ الْعَلِيِّ ، وَهُوَ الْحُضُورُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ . وَمِنْهَا أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ تَشْرِيعٌ لِأُمَّتِهِ أَوْ مِنْ ذُنُوبِ الْأُمَّةِ ، فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ التَّرَقِّي ، فَإِذَا ارْتَقَى إِلَى حَالٍ رَأَى مَا قَبْلَهَا دُونَهَا ، فَاسْتَغْفَرَ مِنَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ ، وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ فِي اسْتِغْفَارِهِ كَانَ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْأَحْوَالِ ، وَظَاهِرُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .