حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عن مَعْمَر ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ، فَدَثَّرُونِي ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ إِلَى قَوْلِهِ : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أيضا . ، ، ( وَمِنْ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ ) مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آيَةً .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ ) أَيْ فِي حَالِ التَّحْدِيثِ عَنِ احْتِبَاسِ الْوَحْيِ عَنِ النُّزُولِ ( فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ ) هُوَ جَبْرَئِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا ( جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ ) خَبَرٌ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأٌ ، وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ ) صِفَتُهُ ( فَجُثِثْتُ مِنْهُ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أُخْرَى سَاكِنَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَجُئِثْتُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَمَعْنَاهُمَا : فَزِعْتُ وَرُعِبْتُ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : جُئِثَ الرَّجُلُ إِذَا فَزِعَ ، فَهُوَ مَجْئُوثٌ ، قَالَ الْخَلِيلُ ، وَالْكِسَائِيُّ : جُئِثَ وَجُثِثَ فَهُوَ مَجْئُوثٌ وَمَجْثُوثٌ ، أَيْ : مَذْعُورٌ فَزِعٌ ( فَقُلْتُ : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) أَيْ لُفُّونِي ، يُقَالُ : زَمَّلَهُ فِي ثَوْبِهِ إِذَا لَفَّهُ فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الصَّبِّ بَعْدَ التَّدَثُّرِ طَلَبُ حُصُولِ السُّكُونِ لِمَا وَقَعَ فِي الْبَاطِنِ مِنَ الِانْزِعَاجِ ، أَوْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرِّعْدَةَ تَعْقُبُهَا الْحُمَّى وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مُعَالَجَتُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ .

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أَيِ النَّبِيُّ وَأَصْلُهُ : الْمُتَدَثِّرُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ ، أَيِ : الْمُتَلَفِّفُ بِثِيَابِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مُدَّثِّرًا ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَثِّرُونِي . قُمْ فَأَنْذِرْ أَيْ : خَوِّفِ النَّاسَ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ، وَالْمَعْنَى قُمْ مِنْ مَضْجَعِكَ وَدِثَارِكَ ، وَقِيلَ : قُمْ قِيَامَ عَزْمٍ وَاشْتَغِلْ بِالْإِنْذَارِ الَّذِي تَحَمَّلْتُهُ . وَبَعْدَهُ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أَيْ : عَظِّمْ رَبَّكَ عَمَّا يَقُولُهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ .

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أَيْ : مِنَ النَّجَاسَاتِ وَالْمُسْتَقْذَرَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَرِزُونَ عَنْهَا ، فَأُمِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَوْنِ ثِيَابِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِلْمُشْرِكِينَ ، وَذُكِرَ فِي مَعْنَاهُ وُجُوهٌ أُخْرَى . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ أَيِ : اتْرُكِ الْأَوْثَانَ وَلَا تَقْرَبْهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اتْرُكِ الْمَآثِمَ ، وَقِيلَ : الشِّرْكَ ، وَالْمَعْنَى : اتْرُكْ كُلَّ مَا أَوْجَبَ لَكَ الْعَذَابَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الثِّيَابِ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ .

قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث