وَمِنْ سُورَةِ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآنُ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾، قَالَ فَكَانَ يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ ، وَحَرَّكَ سُفْيَانُ شَفَتَيْهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ : كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُحْسِنُ الثَّنَاءَ عَلَى مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ خَيْرًا . ( وَمِنْ سُورَةِ الْقِيَامَةِ ) مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ آيَةً .
قَوْلُهُ : ( نا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ) الْهَمْدَانِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي الْحَسَنِ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَكَانَ ممَا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ ( يُرِيدُ ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا التَّحْرِيكِ ( أَنْ يَحْفَظَهُ ) أَيِ : الْقُرْآنَ . ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾أَيْ : لَا تُحَرِّكْ بِالْقُرْآنِ لِسَانَكَ عِنْدَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ ؛ لِتَأْخُذَهُ عَلَى عَجَلٍ مَخَافَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْكَ ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ الْآيَةَ .
وَبَعْدَهُ : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ أَيْ فِي صَدْرِكَ حَتَّى لَا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقُرْآنَهُ : أَيْ إِثْبَاتَ قِرَاءَتِهِ فِي لِسَانِكَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ . قَالَ الْفَرَّاءُ : الْقِرَاءَةُ وَالْقُرْآنُ مَصْدَرَانِ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ أَيْ : أَتْمَمْنَا قِرَاءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسَانِ جَبْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَبَيَّنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فَاسْتَمِعْ قِرَاءَتَهُ ، وَكَرِّرْهَا حَتَّى يَرْسَخَ فِي ذِهْنِكَ ، وَالْمَعْنَى لَا تَكُنْ قِرَاءَتُكَ مُقَارِنَةً لِقِرَاءَةِ جَبْرَائِيلَ عَلَيْكَ ، بَلِ اسْكُتْ حَتَّى يُتِمَّ جبريل مَا يُوحِي إِلَيْكَ ، فَإِذَا فَرَغَ جِبْرِيلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَخُذْ أَنْتَ فِيهَا ، وَجَعَلَ قِرَاءَةَ جِبْرِيلَ قِرَاءَتَهُ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ نَزَلَ الْوَحْيُ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾أَيْ : تَفْسِيرَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَبَيَانَ مَا أَشْكَلَ مِنْ مَعَانِيهِ . ( قَالَ : فَكَانَ يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ ، وَحَرَّكَ سُفْيَانُ شَفَتَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَرِّكُهُمَا ، وَقَالَ سَعِيدٌ : أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ يُسَمَّى بِالْمُسَلْسَلِ بِتَحْرِيكِ الشَّفَةِ ، لَكِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِسِلْسِلَةٍ ، وَقَلَّ فِي الْمُسَلْسَلِ الصَّحِيحُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ .