حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ : ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( وَمِنْ سُورَةِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلٍ ، وَمَكِّيَّةٌ فِي قَوْلٍ ، وَقِيلَ : فِيهَا ثَمَانِ آيَاتٍ مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِلَى آخِرِهَا ، وَقِيلَ : فِيهَا آيَةٌ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ زَمَنَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ آيَةً .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا ( نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ النَّكْتِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَنْ تَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ بِقَضِيبٍ فَيُؤَثِّرَ فِيهَا . ( نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ) أَيْ جُعِلَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، أَيْ : أَثَرٌ قَلِيلٌ كَالنُّقْطَةِ شَبَهُ الْوَسَخِ فِي الْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا . وَقَالَ الْقَارِي : أَيْ كَقَطْرَةِ مِدَادٍ تَقْطُرُ فِي الْقِرْطَاسِ ، وَيَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْرِهَا ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ ، حَيْثُ قِيلَ : شَبَّهَ الْقَلْبَ بِثَوْبٍ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ وَالْبَيَاضِ ، وَالْمَعْصِيَةَ بِشَيْءٍ فِي غَايَةِ السَّوَادِ ، أَصَابَ ذَلِكَ الْأَبْيَضَ ، فَبِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ يُذْهِبُ ذَلِكَ الْجَمَالَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَ الْمَعْصِيَةَ صَارَ كَأَنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ السَّوَادُ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ .

( فَإِذَا هُوَ ) أَيِ الْعَبْدُ ( نَزَعَ ) أَيْ نَفْسَهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي ( وَاسْتَغْفَرَ ) أَيْ : سَأَلَ اللَّهَ الْمَغْفِرَةَ ( وَتَابَ ) أَيْ مِنَ الذَّنْبِ ( سُقِلَ قَلْبُهُ ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : صُقِلَ بِالصَّادِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : السَّقَلُ : الصَّقَلُ وَقَالَ فِيهِ : صَقَلَهُ : جَلَّاهُ ، انْتَهَى . وَالْمَعْنَى نَظَّفَ وَصَفَّى مِرْآةَ قَلْبِهِ ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْقَلَةِ تَمْحُو وَسَخَ الْقَلْبِ وَسَوَادَهُ حَقِيقِيًّا أَوْ تَمْثِيلِيًّا وَإِنْ عَادَ أَيِ الْعَبْدُ فِي الذَّنْبِ وَالْخَطِيئَةِ زِيدَ فِيهَا أَيْ : فِي النُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ حَتَّى تَعْلُوَ أَيِ : النَّكْتِ قَلْبَهُ أَيْ تُطْفِئَ نُورَ قَلْبِهِ فَتُعْمِيَ بَصِيرَتَهُ وَهُوَ الْأَثَرُ الْمُسْتَقْبَحُ الْمُسْتَعْلَى الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَيْ فِي كِتَابِهِ وَأَدْخَلَ اللَّامَ عَلَى رَانَ وَهُوَ فِعْلٌ ، إِمَّا لِقَصْدِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الِاسْمِ ، وَإِمَّا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ : ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا وَلَا كَمَا قَالُوا إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، بَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا حَجَبَ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الرَّيْنِ الَّذِي قَدْ لَبِسَ قُلُوبَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا ، وَالرَّيْنُ يَعْتَرِي قُلُوبَ الْكَافِرِينَ ، وَالْغَيْمُ لِلْأَبْرَارِ ، وَالْغَيْنُ لِلْمُقَرَّبِينَ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : أَصْلُ الرَّانِ وَالرَّيْنِ الْغِشَاوَةُ ، وَهُوَ كَالصَّدي عَلَى الشَّيْءِ الصَّقِيلِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الرَّانُ وَالرَّيْنُ سَوَاءٌ كَالْعَابِ وَالْعَيْبِ ، وَالْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ يُشْبِهُهُمْ فِي اسْوِدَادِ الْقَلْبِ وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِازْدِيَادِ الذَّنْبِ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : هَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ، لَكِنْ ذَكَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْ يَحْتَرِزُوا عَنْ كَثْرَةِ الذَّنْبِ ، كَيْ لَا تَسْوَدَّ قُلُوبُهُمْ كَمَا اسْوَدَّتْ قُلُوبُ الْكُفَّارِ ، وَلِذَا قِيلَ : الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث