وَمِنْ سُورَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ
باب
3368 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، نَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ - إِلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ - فَقُلْ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، قَالُوا : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ ، قَالَ : إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ - وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ : اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، قَالَ : اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي ، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ ، فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَءُهُمْ أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ قَالَ : يَا رَبِّ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ ، وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ : يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمْرِهِ ، قَالَ : ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ ، قَالَ : أَيْ رَبِّ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً ، قَالَ : أَنْتَ وَذَاكَ ، قَالَ : ثُمَّ أُسْكِنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا ، فَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ ، قَالَ : فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ : قَدْ عَجَّلْتَ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ ، قَالَ : بَلَى وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكِ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً ، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، قَالَ : فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
باب
قَوْلُهُ : ( نَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ) فِي التَّقْرِيبِ : الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، الدَّوْسِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ ، مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( عَطَسَ ) مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ ( فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أَيْ فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ( فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ ) أَيْ بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ أَوْ بِتَيْسِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ ( إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ إِلَى الْحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْبَدَلِ ، يَعْنِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أُولَئِكَ ) مُشِيرًا بِهِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ ( جُلُوسٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةُ مَلَأٍ أَيْ جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ ( فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . قَالُوا : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ ) هَذَا اخْتِصَارٌ وَالتَّقْدِيرُ : فَقُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَذَهَبَ آدَمُ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ ( قَالَ ) أَيِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ ( إِنَّ هَذِهِ ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةَ ( وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ ) فِيهِ تَغْلِيبٌ أَيْ ذُرِّيَّتِكَ ( بَيْنَهُمْ ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِمْ ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ ( وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ ) الْجُمْلَةُ حَالٌ وَالضَّمِيرُ لِلَّهِ . قَالَ الْقَارِي : مَذْهَبُ السَّلَفِ مِنْ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ مَعَ التَّفْوِيضِ أَسْلَمُ انْتَهَى .
قُلْتُ : بَلْ هُوَ الصَّوَابُ ( اخْتَرْ أَيَّهُمَا ) أَيْ مِنَ الْيَدَيْنِ . وَفِي الْمِشْكَاةِ أَيَّتَهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ ( وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ ) مِنْ كَلَامِ آدَمَ أَوْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ : ( مُبَارَكَةٌ ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ ( ثُمَّ بَسَطَهَا ) أَيْ فَتَحَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَمِينَهُ ( فَإِذَا فِيهَا ) أَيْ مَوْجُودٌ ( آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي : رَأَى آدَمُ مِثَالَهُ وَمِثَالَ بَنِيهِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ ( هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ ) الظَّاهِرُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْيَمِينِ اخْتِصَاصُهُمْ بِالصَّالِحِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْمُقَرَّبِينَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ : فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَخْ ( فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَءُهُمْ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّهِمْ ضِيَاءً لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِمْ بِحَسَبِ نُورِ إِيمَانِهِمْ ( أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( مَنْ هَذَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : ذَكَرَ أَوَّلًا مَا هَؤُلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَا عَرَفَ مَا رَآهُ ، ثُمَّ لَمَّا قِيلَ لَهُ : هُمْ ذُرِّيَّتُكَ فَعَرَفَهُمْ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ ( وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ مَفْعُولُ كَتَبْتُ ، وَمُؤَدَّى الْمَكْتُوبِ ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ عُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَنَصَبَ أَرْبَعِينَ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى تَأْوِيلِ : كَتَبْتُ لَهُ أَنْ يُعَمَّرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ( قَالَ يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمُرِهِ ) أَيْ مِنْ عِنْدِكَ وَفَضْلِكَ ( ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : كَتَبْتُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : ذَاكَ الَّذِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَعْرِفَتَانِ ، فَيُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ لَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نُقْصَانَ ( قَالَ ) يَعْنِي آدَمَ ( أَيْ رَبِّ ) أَيْ يَا رَبِّ ( فَإِنِّي ) أَيْ إِذَا أَبَيْتَ مِنْ عِنْدِكَ فَإِنِّي ( قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمُرِي ) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ مُدَّةِ عُمُرِي وَسِنيه ( سِتِّينَ سَنَةً ) أَيْ تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخَبَرِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِدْعَاءُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَذَا الْجُعْلِ ، وَقَوْلُهُ : قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً هُنَا يُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِلَفْظِ : زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ هُنَاكَ ( قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ ) قَالَ الْقَارِي : يَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ وَيَحْتَمِلُ الْإِجَابَةَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ : كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ ، أَيْ أَنْتَ مَعَ مَطْلُوبِكَ مَقْرُونَانِ ( ثُمَّ أُسْكِنَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِسْكَانِ ( ثُمَّ أُهْبِطَ ) أَيْ أُنْزِلَ ( مِنْهَا ) أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ ( يَعُدُّ لِنَفْسِهِ ) أَيْ يُقَدِّرُ لَهُ وَيُرَاعِي أَوْقَاتَ أَجَلِهِ سَنَةً فَسَنَةً ( فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ) أَيِ امْتِحَانًا بَعْدَ تَمَامِ تِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ( قَدْ عَجِلْتَ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيِ اسْتَعْجَلْتَ وَجِئْتَ قَبْلَ أَوَانِهِ ( فَجَحَدَ ) أَيْ أَنْكَرَ آدَمُ ( فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ سِرِّ أَبِيهِ ( وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ) لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ طِينَةِ أَبِيهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ آدَمَ نَسِيَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَجَحَدَ ، فَيَكُونُ اعْتِذَارًا لَهُ ، إِذْ يَبْعُدُ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُنْكِرَ مَعَ التَّذَكُّرِ ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أُمِرَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ أُمِرَ النَّاسُ أَوِ الْغَائِبُ ( بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ ) أَيْ بِكِتَابَةِ الْقَضَايَا وَالشُّهُودِ فِيهَا .