بَاب مِنْهُ
3372 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ يُسَيْعٍ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ ، وَالْأَعْمَشُ ، عَنْ ذَرٍّ وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ذَرٍّ .
، ، قَوْلُهُ : ( عَنْ ذَرٍّ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْهِبِيِّ ( عَنْ يُسَيِّعَ ) الْكِنْدِيِّ . قَوْلُهُ : ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ) قَالَ مَيْرَكُ : أَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَالْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ لِيَدُلَّ عَلَى الْحَصْرِ فِي أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ الدُّعَاءِ مُبَالَغَةً ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدُّعَاءَ مُعَظَّمُ
الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحَجُّ عَرَفَةُ ) . أَيْ مُعَظَّمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ، سَوَاءٌ اسْتُجِيبَ أَوْ لَمْ يُسْتَجَبْ ؛ لِأَنَّهُ إِظْهَارُ الْعَبْدِ الْعَجْزَ وَالِاحْتِيَاجَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَالِاعْتِرَافَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِجَابَتِهِ ، كَرِيمٌ لَا بُخْلَ لَهُ وَلَا فَقْرَ ، وَلَا احْتِيَاجَ لَهُ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَدَّخِرَ لِنَفْسِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ الْعِبَادَةُ بَلْ مُخُّهَا ، انْتَهَى . ( ثُمَّ قَرَأَ : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قِيلَ : اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ عِبَادَةٌ ، وَقَالَ الْقَاضِي : اسْتُشْهِدَ بِالْآيَةِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ ، وَالْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ ، وَيَكُونُ أَتَمَّ الْعِبَادَاتِ ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ : مُخُّ الْعِبَادَةِ ، أَيْ خَالِصُهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي أَيْ عَنْ دُعَائِي ، كَذَا فَسَّرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ( سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أَيْ صَاغِرِينَ ذَلِيلِينَ . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ : الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ عِبَادَتِي فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ ، فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصِدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ . وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ مِنَ التَّرْكِ ؛ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ : أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةِ لَهُ ، وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي ، وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارَ وَالْهَوَانَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ .