بَاب مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3634 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ - هو ابن عيسى - نَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أحيانا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشديد الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
( بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، الْوَحْيُ الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ : إِعْلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْبِيَاءَهُ الشَّيْءَ إِمَّا بِكِتَابٍ أَوْ بِرِسَالَةِ مَلَكٍ أَوْ مَنَامٍ أَوْ إِلْهَامٍ ، وَقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ نَحْوِ : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي وَبِمَعْنَى التَّسْخِيرِ نَحْوِ : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ؛ أَيْ سَخَّرَهَا لِهَذَا الْفِعْلِ ، وَهُوَ اتِّخَاذُهَا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا إِلَى آخِرِهِ . وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِلْهَامِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هِدَايَتُهَا لِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالْإِلْهَامُ حَقِيقَةً إِنَّمَا يَكُونُ لِعَاقِلٍ . وَالْإِشَارَةُ نَحْوُ : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُوحَى كَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يَقَعُ الْوَحْيُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِلْهَامِ وَالْكَلَامِ الْخَفِيِّ ، يُقَالُ : وَحَيْتُ إِلَيْهِ الْكَلَامَ وَأَوْحَيْتُ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ ) بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ، مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ شَقِيقُهُ ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، اسْتُشْهِدَ بِالشِّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . ( سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ حَضَرَتْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ مُسْنَدِهَا ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَارِثُ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بِوَصْلِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . ( كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ صِفَةَ الْوَحْيِ نَفْسِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ حَامِلِهِ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى الْوَحْيِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ حَقِيقَةٌ مِنْ وَصْفِ حَامِلِهِ . ( أَحْيَانًا ) جَمْعُ حِينَ ، يُطْلَقُ عَلَى كَثِيرِ الْوَقْتِ وَقَلِيلِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مُجَرَّدُ الْوَقْتِ ؛ أَيْ أَوْقَاتًا ، وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، وَعَامِلُهُ " يَأْتِينِي " مُؤَخَّرٌ عَنْهُ .
( يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ) ؛ أَيْ يَأْتِينِي الْوَحْيُ إِتْيَانًا مِثْلَ صَوْتِ الْجَرَسِ أَوْ مُشَابِهًا صَوْتُهُ لِصَوْتِ الْجَرَسِ ، وَالصَّلْصَلَةُ - بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ - فِي الْأَصْلِ صَوْتُ وُقُوعِ الْحَدِيدِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ صَوْتٍ لَهُ طَنِينٌ ، وَقِيلَ : هُوَ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ لَا يُدْرَكُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَالْجَرَسُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ - الْجَلْجَلُ الَّذِي يُعَلَّقُ فِي رُءُوسِ الدَّوَابِ ، وَاشْتِقَاقُهُ
مِنَ الْجَرَسِ - بِإِسْكَانِ الرَّاءِ - وَهُوَ الْحِسُّ . قِيلَ : وَالصَّلْصَلَةُ الْمَذْكُورَةُ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ أَنَّهُ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ يَسْمَعُهُ وَلَا يَتَبَيَّنُهُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ بَعْدُ ، وَقِيلَ : صَوْتٌ خَفِيفٌ لِأَجْنِحَةِ الْمَلَكِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِهِ أَنْ يَقْرَعَ سَمْعَهُ الْوَحْيُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهِ . ( وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ) ؛ أَيْ هَذَا الْقِسْمُ مِنَ الْوَحْيِ أَشَدُّ أَقْسَامِهِ عَلَي في فَهْمِ الْمَقْصُودِ ، لِأَنَّ الْفَهْمَ مِنْ كَلَامٍ مِثْلَ الصَّلْصَلَةِ أَشْكَلُ مِنَ الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ بِالتَّخَاطُبِ الْمَعْهُودِ ، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الشِّدَّةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَشَقَّةِ مِنْ زِيَادَةِ الزُّلْفَى وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ . ( يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا ) ، التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَثَلِ ؛ أَيْ يَتَصَوَّرُ ، وَالْلَّامُ فِي " الْمَلَكِ " لِلْعَهْدِ ، وَهُوَ جِبْرَئِيلُ . وَ " رَجُلًا " مَنْصُوبٌ بِالْمَصْدَرِيَّةِ ؛ أَيْ يَتَمَثَّلُ مِثْلَ رَجُلٍ ، أَوْ بِالتَّمْيِيزِ ، أَوْ بِالْحَالِ ، وَالتَّقْدِيرُ هَيْئَةَ رَجُلٍ . ( فَأَعِيَ مَا يَقُولُ ) مِنَ الْوَعْيِ ؛ أَيْ فَأَحْفَظُ الْقَوْلَ الَّذِي يَقُولُهُ . ( فَيَفْصِمُ عَنْهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيْ يُقْلِعُ وَيَتجَلِي مَا يَغْشَاهُ . وَأَصْلُ الْفَصْمِ الْقَطْعُ ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى : لا انْفِصَامَ لَهَا وَقِيلَ : الْفَصْمُ بِالْفَاءِ الْقَطْعُ بِلَا إِبَانَةٍ ، وَبِالْقَافِ الْقَطْعُ بِإِبَانَةٍ ، فَذَكَرَ بِالْفَصْمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَلَكَ فَارَقَهُ لِيَعُودَ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا بَقَاءُ الْعَلَقَةِ . ( وِإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ ) بِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ ؛ أَيْ لَيَسِيلُ . ( عَرَقًا ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ مِنْ كَثْرَةِ مُعَانَاةِ التَّعَبِ وَالْكَرْبِ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ إِذْ إنَّهُ أَمْرٌ طَارِئٌ زَائِدٌ عَلَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ .
قَولُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .