مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
3875 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبَاتِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُ عَائِشَةُ ، فَقُولِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرْ النَّاسَ يُهْدُونَ إِلَيْهِ أَيْنَ مَا كَانَ . فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَأَعَادَتْ الْكَلَامَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَوَاحِبَاتِي قَدْ ذَكَرْنَ أَنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأْمُرْ النَّاسَ يُهْدُونَ أَيْنَ مَا كُنْتَ ، فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ قَالَتْ ذَلِكَ قَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا . وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ رُمَيْثَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فيه رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، ، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ .
( مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ) هِيَ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ، وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهَا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ ، أَوْ نَحْوِهِا ، وَمَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَهَا نَحْوُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا ، وَقَدْ حَفِظَتْ عَنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا وَعَاشَتْ بَعْدَهُ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْأَخْذَ عَنْهَا وَنَقَلُوا عَنْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ شَيْئًا كَثِيرًا حَتَّى قِيلَ : إِنَّ رُبُعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْقُولٌ عَنْهَا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَكَانَ مَوْتُهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : فِي الَّتِي بَعْدَهَا ، وَلَمْ تَلِدْ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا عَلَى الصَّوَابِ ، وَسَأَلَتْهُ أَنْ تَكْتَنِى ، فَقَالَ : اكْتَنِي بِابْنِ أُخْتِكِ ، فَاكْتَنَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَنَاهَا بِذَلِكَ لَمَّا أُحْضِرَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِيُحَنِّكَهُ ، فَقَالَ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَتْ : فَلَمْ أَزَلْ أُكْنَى بِهِا .
قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ ) مِنَ التَّحَرِّي وَهُوَ الْقَصْدُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّلَبِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ ، وَالْقَوْلِ ( يَوْمَ عَائِشَةَ ) أَيْ : يَوْمَ نَوْبَتِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَادَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ : يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاتَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( قَالَتْ ) أَيْ : عَائِشَةُ ( فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبَاتِي ) أَرَادَتْ بِهِنَّ بَقِيَّةَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللَّاتِي كُنَّ فِي حِزْبِ أُمِّ سَلَمَةَ . فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُنَّ حِزْبَيْنِ : فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، وَصَفِيَّةُ ، وَسَوْدَةُ ، وَالْحِزْبُ الْآخَرُ : أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَائِشَةَ ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِ عَائِشَةَ
بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، فَكَلَّمَ حِزْبٌ أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا : كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكَلِّمُ النَّاسَ إِلَخْ ( يَأْمُرِ النَّاسَ ) بِالْجَزْمِ وَالرَّاءُ مَكْسُورَةٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، يُهْدُونَ إِلَيْهِ أَيْنَمَا كَانَ ، أَيْ : مِنْ حُجُرَاتِ الْأُمَّهَاتِ ، وَمُرَادُهُنَّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ لَا لَهُنَّ وَلَا لِغَيْرِهِنَّ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ الْأَمْرُ فِيهِنَّ لِيَرْتَفِعَ التَّمْيِيزُ الْبَاعِثُ لِلْغَيْرَةِ عَنْهُنَّ ( فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ ) أَيْ : لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا ) أَيْ : عَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي يَوْمِ نَوْبَتِهَا " لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ " أَيْ : فِي حَقِّهَا ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ : لَا تُؤْذِي عَائِشَةَ ، لِمَا تُفِيدُ مِنْ أَنَّ مَا آذَاهَا فَهُوَ يُؤْذِيهِ " مَا أُنْزِلَ " بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " عَلَيَّ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ " وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا " بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ . فَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ . قُلْتُ : قَالَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ : لَعَلَّ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ قَبْلَ الْقِصَّةِ الَّتِي نَزَلَ الْوَحْيُ فِيهَا فِي فِرَاشِ أُمِّ سَلَمَةَ . انْتَهَى ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ : ظَفِرْتُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا فَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُعْطِيتُ تِسْعًا .. الْحَدِيثَ وَفِيهِ : وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ في أَهْلِهِ فَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي لِحَافِهِ ، وَعَلَى هَذَا لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . انْتَهَى ، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِي إِيثَارِ بَعْضِ نِسَائِهِ بِالتُّحَفِ ، وَإِنَّمَا اللَّازِمُ الْعَدْلُ فِي الْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ ، كَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الَّذِينَ أَهْدَوْا لَهُ ، وَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْنَعْهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَمَالِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الرَّجُلُ إِلَى النَّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ الْهَدِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ إِلَخْ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ) ابْنِ الطُّفَيْلِ بْن سَخْبَرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ الْأَزْدِيِّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ رُمَيْثَةَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مُصَغَّرًا بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيَّةِ أُخْتِ عَوْفٍ رَضِيعِ عَائِشَةَ ، مَقْبُولَةٌ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ( وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ .