بَاب فِي الْإِيمَانِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا : إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْغَنَمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ . فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾قَوْلُهُ : ( بَارِزًا لِلنَّاسِ ) أَيْ ظَاهِرًا لِأَجْلِهِمْ حَتَّى يَسْأَلُوهُ وَيَنْفَعَ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ ، قَوْلُهُ : ( وَلِقَائِهِ ) قِيلَ : اللِّقَاءُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُفَسَّرُ بِالثَّوَابِ وَالْحِسَابِ وَالْمَوْتِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْبَعْثِ الْآخِرِ ، وَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى غَيْرِ الْبَعْثِ الْآخِرِ ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ مِنْ بَعْدُ حَيْثُ قَالَ : وَتُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ ، قُلْتُ : إِذًا فُسِّرَ بِالْمَوْتِ فَالظَّاهِرُ أَنْ يُرِيدَ مَوْتَ الْعَالَمِ وَفَنَاءَ الدُّنْيَا بِتَمَامِهَا ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ عَالِمٌ بِمَوْتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَهُ فَلَا يَحْسُنُ التَّكْلِيفُ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالْحِسَابُ فَهُمَا غَيْرُ الْبَعْثِ فَلَا تِكْرَارَ إِذَا أُرِيدَ أَحَدُهُمَا ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَقَالَ النَّوَوِيُّ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ اهـ . قُلْتُ : وَقَدْ يُقَالُ : الْإِيمَانُ بِتَحْقِيقِ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ أَحَدًا بِعَيْنِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُؤْمِنَ كُلُّ شَخْصٍ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَهَذَا مِثْلُ الْإِيمَانِ بِالْحِسَابِ أَوْ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مَعَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلْكُلِّ ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ ، وَكَمْ مَنْ لَا يُعَاقَبُ أَوْ يُثَابُ .
قَوْلُهُ : ( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ) أَيْ تُوَحِّدَهُ بِلِسَانِكَ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ فَيَشْمَلُ الشَّهَادَتَيْنِ ؛ فَوَافَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ رِوَايَتَهُ ثَمَّ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُنِيَ الْإِسْلَامُ وَجُمْلَةُ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا لِلتَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَشْرَاطِهَا ) أَيْ عَلَامَاتِهَا ، قَوْلُهُ : ( فِي خَمْسٍ ) أَيْ وَقْتُ السَّاعَةِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ، وَالْجُمْلَةُ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ : مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ . وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ ، وَقِيلَ : فِي خَمْسٍ حَالٌ مِنْ رِعَاءٍ أَيْ مُتَفَكِّرِينَ فِي خَمْسٍ ، وَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى جَهْلِهِمْ وَحَمَاقَتِهِمْ .