بَاب فِي الْإِيمَانِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ . قَوْلُهُ : ( لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ نَفْيٌ لَا نَهْيٌ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَلَا تُؤْمِنُوا فَالْقِيَاسُ ثُبُوتُ النُّونِ فِيهِمَا ؛ فَكَأَنَّهَا حُذِفَتْ لِلْمُجَانَسَةِ وَالِازْدِوَاجِ ، وَقَدْ جَاءَ حَذْفُهَا لِلتَّخْفِيفِ كَثِيرًا ، ثُمَّ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّحَابُبِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ ، وَالْمُرَادُ : لَا تَسْتَحِقُّونَ دُخُولَ الْجَنَّةِ أَوَّلًا حَتَّى تُؤْمِنُوا إِيمَانًا كَامِلًا ، وَلَا تُؤْمِنُونَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ حَتَّى تَحَابُّوا بِفَتْحِ التَّاءِ ، وَأَصْلُهُ تَتَحَابُّونْ أَيْ يُحِبُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَأَمَّا حَمْلُ حَتَّى تُؤْمِنُوا عَلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ وَحَمْلُ وَلَا تُؤْمِنُوا عَلَى الْكَمَالِ فَيَأْبَاهُ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْكَالِ الْمَنْطِقِيَّةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْبُرْهَانَ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُحْمَلُ بِهِ الْإِخْلَالُ يُدْفَعُ بِعَدَمِ تَكْرَارِ الْحَدِّ الْأَوْسَطِ فَلْيُتَأَمَّلْ . قَوْلُهُ : ( أَفْشُوا السَّلَامَ ) مِنَ الْإِفْشَاءِ أَيْ أَظْهِرُوهُ ، وَالْمُرَادُ نَشْرُ السَّلَامِ بَيْنَ النَّاسِ لِيُحْيُوا سُنَّتَهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - ، قَالَ النَّوَوِيُّ : أَقَلُّهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي شَرْحِ هَذِا اللَّفْظِ ؛ قُلْتُ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْإِفْشَاءَ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ ، وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ عَلَى الْإِكْثَارِ .