بَاب فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُ . قَالَ : أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؛ فإنه لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا فِي يَدَيْهِ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( يَمِينُ اللَّهِ ) قِيلَ أُرِيدَ بِالْيَمِينِ النِّعَمَ ، وَمَعْنَى مَلْأَى كَثِيرَةُ الْعَطَاءِ ، وَقِيلَ : أُرِيدَ بِالْيَمِينِ الْخَزَائِنُ الَّتِي تَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْيَمِينِ ( لَا يَغِيضُهَا ) لَا يُنْقِصُهَا خَيْرٌ بَعْدَ خَيْرٍ ( سَحَّاءُ ) بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ وَالْمَدِّ دَائِمَةٌ الصَّبِّ بِالْعَطَاءِ مِنْ سَحَّ سَحًّا ، وَرُوِيَ بِالتَّنْوِينِ مَصْدَرًا ، قِيلَ : مَا أَتَمَّ هَذِهِ الْبَلَاغَةَ وَأَحْسَنَ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ ؛ فَلَقَدْ نَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى مَعَانٍ دَقِيقَةٍ مِنْهَا وَصْفُ يَدِهِ تَعَالَى فِي الْإِعْطَاءِ بِالتَّفَوُّقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ فَإِنَّ السَّحَّ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ عُلُوٍّ ، وَمِنْهَا أَنَّهَا الْمُعْطِيَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى لِأَنَّ الْمَائِعَ إِذَا انْصَبَّ مِنْ فَوْقُ انْصَبَّ بِسُهُولَةٍ ، وَمِنْهَا جَزَالَةُ عَطَايَاهُ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ السَّحَّ يَسْتَعْمِلُ فِيمَا ارْتَفَعَ عَنْ حَدِّ التَّقَاطُرِ إِلَى حَدِّ السَّيْلَانِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهَا لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا أَخَذَ فِي الِانْصِبَابِ مِنْ فَوْقُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّهُ .
قَوْلُهُ : ( اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ظَرْفٌ لِسَحَّاءَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ الِانْقِطَاعِ لِمَادَّةِ عَطَائِهِ تَعَالَى ، قَوْلُهُ : ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى ) قُلْتُ : هَذَا اللَّفْظُ مَعْنَاهُ كَمَا ذَكَرُوا فِي الْيَمِينِ مِنَ الْمَجَازِ فَلْيُتَأَمَّلْ ، وَالْوَجْهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ ؛ فَالْوَاجِبُ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّسْلِيمُ وَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِلْعَقْلِ وَيَسْتَقِلُّ بِنَوْعِ بَسْطٍ ، قَوْلُهُ : ( يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ ) قِيلَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِنْزَالِ الْعَدْلِ إِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً وَرَفْعُهُ أُخْرَى ، قَوْلُهُ : ( مَا أَنْفَقَ ) أَيْ قَدْرَ مَا أَنْفَقَ .