بَاب صَدَاقِ النِّسَاءِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تُغَالُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ وَأَحَقَّكُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُثَقِّلُ صَدَقَةَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ ، وَيَقُولُ قَدْ كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَقَ الْقِرْبَةِ ، أَوْ عَرَقَ الْقِرْبَةِ وَكُنْتُ رَجُلًا عَرَبِيًّا مَوْلِدًا ، مَا أَدْرِي مَا عَلَقُ الْقِرْبَةِ أَوْ عَرَقُ الْقِرْبَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تُغَالُوا ) هُوَ مِنَ الْغُلُوِّ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، يُقَالُ : غَالَيْتُ فِي الشَّيْءِ وَبِالشَّيْءِ ، وَغَلَوْتُ فِيهِ غُلُوًّا إِذَا جَاوَزْتُ فِيهِ الْحَدَّ ، وَنُصِبَ صَدَاقُ النِّسَاءِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ لَا تُبَالِغُوا فِي كَثْرَةِ الصَّدَاقِ . قَوْلُهُ : ( مَكْرُمَةً ) بِفَتْحِ مِيمٍ وَضَمِّ رَاءٍ بِمَعْنَى الْكَرَامَةِ ، ( مَا أَصْدَقَ ) مِنْ أَصْدَقَ الْمَرْأَةَ إِذَا سَمَّى لَهَا صَدَاقًا وَأُعْطِيهَا ، ( وَلَا أُصْدِقَ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُوَ يَتَوَلَّى تَقْرِيرَ الصَّدَاقِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ الْنَّشَّ لِكَوْنِهِ كَسْرًا ، قَوْلُهُ : ( لَيُثَقِّلَ ) مِنَ التَّثْقِيلِ ، ( صَدُقَةَ ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ .
( حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ ) أَيْ حَتَّى يُعَادِيَهَا فِي نَفْسِهِ عِنْدَ أَدَاءِ ذَلِكَ الْمَهْرِ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَوْ عِنْدَ مُلَاحَظَةِ قَدْرِهِ وَتَفَكُّرِهِ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ ، قَوْلُهُ : ( كُلِّفَتْ ) مِنْ كُلِّفَ بِكَسْرِ اللَّامِ إِذَا تَعَمَّدَهُ ، قَوْلُهُ : ( عَلَقَ الْقِرْبَةِ ) بِفَتْحَتَيْنِ حَبْلٌ تُعَلَّقُ بِهِ أَيْ تَحَمَّلْتُ لِأَجْلِكَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى تَعَلُّقَ الْقِرْبَةِ ، وَيُرْوَى عَرَقَ الْقِرْبَةِ بِالرَّاءِ أَيْ تَحَمَّلْتُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى عَرِقْتُ كَعَرَقِ الْقِرْبَةِ ، وَهُوَ سَيَلَانُ مَائِهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِعَرَقِ الْقِرْبَةِ عَرَقَ حَامِلِهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ تَحَمَّلْتُ عَرَقَ الْقِرْبَةِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَحَمَّلَ الْأَمْرَ الشَّدِيدَ الشَّيبة بِهَا ، وَفِي الصِّحَاحِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : يُقَالُ : لَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ عَرَقَ الْقِرْبَةِ ، وَمَعْنَاهُ أَشَدَّهُ ، وَلَا أَدْرِي مَا أَصْلُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَرَقُ إِنَّمَا هُوَ لِلرَّجُلِ لَا لِلْقِرْبَةِ ، قَالَ : وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقِرْبَةَ تَحْمِلُهَا الْإِمَاءُ الزَّوَافِرُ ، وَمَنْ لَا مُعِينَ لَهُ ، وَرُبَّمَا افْتَقَرَ الرَّجُلُ الْكَرِيمُ وَاحْتَاجَ إِلَى حَمْلِهَا بِنَفْسِهِ ؛ فَيَعْرَقُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحَيَاءِ مِنَ النَّاسِ ، فَيُقَالُ : تَحَمَّلْتُ لَكَ عَرَقَ الْقِرْبَةِ ، وَقَالَ فِي عَلَقِ الْقِرْبَةِ لُغَةٌ فِي عَرَقِ الْقِرْبَةِ ، قَوْلُهُ : ( مَا أَدْرِي ) لِغَرَابَتِهِ ، وَفِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ : رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيِرِ أَنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنْ إِكْثَارِ الْمَهْرِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ اعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَتْ : أَمَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : وَأَيُّ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ؟ قَالَ : فَقَالَ : اللَّهُمَّ غَفْرًا ، كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي نَهَيْتُ أَنْ تَزِيدُوا فِي الْمَهْرِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ أَوْ فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَلَفْظُهُ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ ؟ قَالَ : بَلْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا ذَاكَ ؟ قَالَتْ : نَهَيْتَ الرِّجَالَ عَنِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الْآيَةَ فَقَالَ عُمَرُ : كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ الْحَدِيثُ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ : فَقَامَتِ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ لَهُ : لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا إِلَخْ ، فَقَالَ : إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : امْرَأَةٌ أَصَابَتْ ، وَرَجُلٌ أَخْطَأَ ا هـ .