باب بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ ، يَعْنِي : الْحِنْطَةَ باب بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ قَوْلُهُ : ( مُصَرَّاةً ) مِنْ التَّصْرِيَةِ وَهُوَ حَبْسُ اللَّبَنِ فِي ضُرُوعِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ تَغْرِيرًا لِلْمُشْتَرِي . قَوْلُهُ : ( رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ) أَيْ : صَاعًا مِمَّا هُوَ غَالِبُ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلَدِ ، وَأَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ غَالِبُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِئِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْوِيمُ مَالِ الْبَائِعِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ تَقْوِيمُهُ فَحَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّعَامَ بَدَلُ اللَّبَنِ الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ حَالَ الْبَيْعِ ، وَأَمَّا الْحَادِثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِالْحَدِيثِ ، وَمَنْ لَا يَأْخُذُ بِهِ يَعْتَذِرُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ هُوَ الضَّمَانُ بِالْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْلِ أَوِ الثَّمَنِ ، وَهَذَا الضَّمَانُ لَيْسَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُثْبِتُهُ بِحَدِيثِ الْآحَادِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا ، وَقَالُوا : الْحَدِيثُ مِنْ رُوَاتِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ غَيْرُ فَقِيهٍ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ لَهُ نَظَائِرَ كَالدِّيَةِ ، فَإِنَّهَا مِائَةُ بَعِيرٍ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَتِيلِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ شُرِعَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ جَاءَ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِوَجْهٍ وَالطَّبَرَانِيُّ بِآخَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى .
وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو ابْنِ عَوْفٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَالْمَوْقُوفُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَقْيِسَةِ ، وَالْمَوْقُوفُ الْمُخَالِفُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا ، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ أَجِلَّاءِ الْفُقَهَاءِ بِالِاتِّفَاقِ . وَقَوْلُهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ غَيْرُ فَقِيهٍ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْإِصَابَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي وَمَنْ يَتَتَبَّعْ كُتُبَ الْحَدِيثِ يَجِدْهُ حَقًّا بِلَا رَيْبٍ .