باب مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ باب مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ) ، فِي الزَّوَائِدِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَوْلُهُ : ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ) أَيْ : دَاوَمَ عَلَى شُرْبِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّوَامَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ عَنْهَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ : ( لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ ) قِيلَ : كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ شَارِبُ الْخَمْرِ لَا يَخْلُو أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا أَوْ يَمُوتَ بِلَا تَوْبَةٍ ، فَإِنْ تَابَ فَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالَّذِي عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ، فَإِنْ عَاقَبَهُ لَمْ يَكُنْ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ أَبَدًا ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بِمَا مَعَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَمِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ ، وَعِنْدِي الْأَمْرُ كَذَلِكَ اهـ . قُلْتُ : وَهَذَا كَمَا يُقَالُ : مَنِ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ ، وَمَحَلُّ الْإِشْكَالِ هُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْرِفُ شَهْوَتَهُ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ ، بَلْ تَفَاوُتُ الْمَرَاتِبِ فِي الْجَنَّةِ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ إِلَّا بِهَذَا وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِجَوَازِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ابْتِدَاءً فَيَدْخُلُ مَعَ السَّابِقَيْنِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى التَّأْوِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّخُولَ مَعَ السَّابِقِينَ ، ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَعِنْدِي فِيهِ تَأْوِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى إِدْمَانَ الْخَمْرِ .
قُلْتُ : الْوَجْهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَ شَهْوَتَهُ مِنْهَا فَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .