بَاب الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الْقُرَشِيُّ ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلَكِنْ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ . قَالَ هِشَامٌ : قال أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ يَقُولُ : مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأَحَادِيثِ كَمِثْلِ الْإِبْرِيزِ فِي الذَّهَبِ . أَبْوَابُ الزُّهْدِ هَذَا آخِرُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ وَقَدْ خَتَمَ بِهَذِهِ الْأَبْوَابِ الْكِتَابَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ نَتِيجَةَ الْعِلْمِ هُوَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ الْقِيَم : الْفَرْقُ بَيْنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ أَنَّ الزُّهْدَ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ ، وَالْوَرَعُ تَرْكُ مَا يُخْشَى ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ .
بَاب الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا قَوْلُهُ : ( بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ) أَيْ : بِتَرْكِ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَلَا يَتَنَاوَلُهَا ( أَنْ لَا تَكُونَ ) أَيْ : أَنْ لَا يَكُونَ اعْتِمَادُكَ عَلَى حَالِكَ أَكْثَرَ مِنَ اعْتِمَادِكَ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ فَلَا يُهِمُّكَ جَمْعُ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّكَ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، بَلْ تَنْظرا إِلَى رِزْقِ اللَّهِ وَتَتْرُكُ هَمَّ الْجَمْعِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ : ( إِذَا أُصِبْتَ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ( فِيهَا ) أَيْ : فِيمَا فَاتَ فِي الْمُصِيبَةِ لَا فِي نَفْسِ الْمُصِيبَةِ أَيْ أَنْ يَصِيرَ ثَوَابُ الْمُصِيبَةِ عِنْدَكَ خَيْرًا مِمَّا فَاتَ فِي الْمُصِيبَةِ مِنَ الْمَالِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ ، وَالْحَاصِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِالدُّنْيَا لَا ابْتِدَاءً اعْتِمَادًا عَلَى الرِّزْقِ لَا الْمَالِ وَلَا بَقَاءَ رَغْبَتِهِ فِي الثَّوَابِ دُونَ الْمَالِ .