باب مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، ثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟ ثُمَّ يَقُولُ : أَلَكَ عَنْ ذَلِكَ حَسَنَةٌ ؟ فَيُهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : لَا ، فَيَقُولُ : بَلَى ، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ ، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ ؟ فَيَقُولُ : إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : الْبِطَاقَةُ الرُّقْعَةُ وَأَهْلُ مضر يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ : بِطَاقَةً قَوْلُهُ : ( يُصَاحُ ) أَيْ : يُنَادَى ( سِجِلًّا ) بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ هُوَ الْكِتَابُ الْكَبِيرُ ( فَيَهَابُ الرَّجُلُ ) أَيْ : يُوقَعُ فِي هَيْبَةٍ ( فَيَقُولُ ) مِنْ كَمَالِ الْهَيْبَةِ ( لَا ) أَيْ لَيْسَ حَسَنَةً ( حَسَنَاتٍ ) كَأَنَّ الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ( بِطَاقَةٌ ) أَيْ : رُقْعَةٌ صَغِيرَةٌ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَهِيَ كَلِمَةٌ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِمُضَرٍ ( أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ : لَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمِيزَانِ أَنْ يُوضَعَ فِي كِفَّتِهِ شَيْءٌ ، وَفِي الْأُخْرَى ضِدُّهُ فَتُوضَعُ الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ فَهَذَا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَأْتِي بِهِمَا جَمِيعًا وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْتِي بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعًا عَبْدٌ وَاحِدٌ يُوضَعُ الْإِيمَانُ فِي كِفَّةٍ وَالْكُفْرُ فِي كِفَّةٍ فَكَذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ تُوضَعَ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِيزَانِ ، وَأَمَّا بَعْدَمَا آمَنَ الْعَبْدُ فَإِنَّ النُّطْقَ مِنْهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَسَنَةٌ تُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ سَائِرُ الْحَسَنَاتِ اهـ . قُلْتُ : شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانُ حَسَنَةٌ أَيْضًا فَإِنْ قَالَ : لَيْسَ لَهُمَا مَا يُضَادُّهُمَا شَخْصًا ، وَإِنْ كَانَ مَا يُضَادُّهُمَا نَوْعًا وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْحَسَنَةِ فَيُرَادُ أَنَّ النُّطْقَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ لَيْسَ لَهُ مَا يُضَادُّ شَخْصَهُ أَيْضًا وَمَنْ لَمْ يَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَطُّ فَفِعْلُ الصَّلَاةِ مِنْهُ حَسَنَةٌ لَا يُقَابِلُهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا يُضَادُّهَا شَخْصًا فَلْيُتَأَمَّلْ ( فَطَاشَتْ ) أَيْ : رُفِعَتْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .