58 - قَالُوا : حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ الْكَيُّ وَالْحِجَامَةُ قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى وَاسْتَرْقَى ، ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ وَقَالَ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تُدَاوُونَ بِهِ خَيْرٌ فَفِي بَزْغَةِ حَجَّامٍ ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ . قَالُوا : وَهَذَا خِلَافُ الْأَوَّلِ . قَالَ ابن قتيبة : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا خِلَافٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِهِ زَالَ الِاخْتِلَافُ . وَالْكَيُّ جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنْ أُمَمِ الْعَجَمِ ، فَإِنَّهُمْ يَكْوُونَ وِلْدَانَهُمْ وَشُبَّانَهُمْ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ بِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَيَّ يَحْفَظُ لَهُمُ الصِّحَّةَ وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الْأَسْقَامَ . الْكَيُّ الْمَذْمُومُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرَأَيْتُ بِخُرَاسَانَ رَجُلًا مِنْ أَطِبَّاءِ التُّرْكِ مُعَظَّمًا عِنْدَهُمْ يُعَالِجُ بِالْكَيِّ ، وَأَخْبَرَنِي وَتَرْجَمَ ذَلِكَ عَنْهُ مُتَرْجِمُهُ أَنَّهُ يُشْفَى بِالْكَيِّ مِنَ الْحُمَّى وَالْبِرْسَامِ وَالصُّفَّارِ وَالسُّلِّ وَالْفَالِجِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدْوَاءِ الْعِظَامِ ، وَأَنَّهُ يَعْمَدُ إِلَى الْعَلِيلِ فَيَشُدُّهُ بِالْقِمْطِ شَدًّا شَدِيدًا حَتَّى يَضْطَرَّ الْعِلَّةَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْجَسَدِ ، ثُمَّ يَضَعُ الْمَكْوَى عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَلْذَعُهُ بِهِ ، وَأَنَّهُ أَيْضًا يَكْوِي الصَّحِيحَ لِئَلَّا يَسْقَمَ فَتَطُولُ صِحَّتُهُ ، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَدَّعِي أَشْيَاءَ مِنِ اسْتِنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْشَاءِ السَّحَابِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ، وَإِثَارَةِ الرِّيحِ مَعَ أَكَاذِيبَ كَثِيرَةٍ ، وَحَمَاقَاتٍ ظَاهِرَةٍ بَيِّنَةٍ ، وَأَصْحَابُهُ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ وَيَشْهَدُونَ لَهُ عَلَى صِدْقِ مَا يَقُولُ . وَقَدِ امْتَحَنَّاهُ فِي بَعْضِ مَا ادَّعَى فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ إِلَى قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَتَفْعَلُ شَبِيهًا بِذَلِكَ فِي الْإِبِلِ إِذَا وَقَعَتِ النُّقَبَةُ فِيهَا وَهُوَ جَرَبٌ ، أَوِ الْعُرُّ وَهُوَ قُرُوحٌ تَكُونُ فِي وُجُوهِهَا وَمَشَافِرِهَا، فَتَعْمَدُ إِلَى بَعِيرٍ مِنْهَا صَحِيحٍ فَتَكْوِيهِ لِيَبْرَأَ مِنْهَا مَا بِهِ الْعَرُّ ، أَوِ النُّقَبَةُ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّابِغَةُ فِي قَوْلِهِ لِلنُّعْمَانِ : فَحَمَّلْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ كَذِي الْعُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهُوَ رَاتِعُ وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي أَبْطَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِيهِ : لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اكْتِوَاءَهُ وَإِفْزَاعَهُ الطَّبِيعَةَ بِالنَّارِ وَهُوَ صَحِيحٌ يَدْفَعُ عَنْهُ قَدَرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ، وَعَلِمَ أَنْ لَا مَنْجَى مِنْ قَضَائِهِ لَمْ يَتَعَالَجْ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يَكْوِ مَوْضِعًا لَا عِلَّةَ بِهِ لِيَبْرَأَ الْعَلِيلُ . الْكَيُّ الْمُبَاحُ : وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ فَكَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ ، وَإِذَا سَالَ دَمُهُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ . وَكَيُّ الْعُضْوِ إِذَا قُطِعَ أَوْ حَسَمَهُ ، وَكَيُّ الْعُرُوقِ مَنْ سَقَى بَطْنَهُ وَبَدَنَهُ . قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ يَذْكُرُ تَعَالُجَهُ حِينَ شُفِيَ : شَرِبْتُ الشُّكَاعَى وَالْتَدَدْتُ أَلِدَّةً وَأَقْبَلْتُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ الْمُكَاوِيَا وَهَذَا هُوَ الْكَيُّ الَّذِي قَالَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ وَكَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ لِعِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا فِي عُنُقِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ . وَلَا يُقَالُ لِمَنْ يُعَالَجُ عِنْدَ نُزُولِ الْعِلَّةِ بِهِ لَمْ يَتَوَكَّلْ ، فَقَدْ أَمَرَ بِالتَّعَالُجِ وَقَالَ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، لَا عَلَى أَنَّ الدَّوَاءَ شَافٍ لَا مَحَالَةَ ، وَإِنَّمَا يُشْرَبُ عَلَى رَجَاءِ الْعَافِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ إِذْ كَانَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . وَمِثْلُ هَذَا الرِّزْقِ قَدْ تَضَمَّنَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِعِبَادِهِ إِذْ يَقُولُ : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَلَبِهِ وَبِالِاكْتِسَابِ وَالِاحْتِرَافِ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ، وَمِثْلُهُ تَوَقِّي الْمَهَالِكِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّوَقِّيَ لَا يَدْفَعُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وَعَزَّ - وَحِفْظُ الْمَالِ فِي الْخَزَائِنِ وَبِالْأَقْفَالِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا ضَيْعَةَ عَلَى مَا حَفِظَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَلَا حِفْظَ لِمَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنْظُرَ فِيهِ إِلَى الْمَغِيبِ عَنَّا وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْحَزْمُ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْقِلْ وَتَوَكَّلْ ، وَقَالَ لِرَجُلٍ سَمِعَهُ يَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ : أَبْلَى عُذْرًا ، فَإِذَا أَعْجَزَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ . التِّرْيَاقُ : وَمِمَّا يُشْبِهُ الْكَيَّ فِي حَالَتَيْهِ التِّرْيَاقُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا ، أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً ، أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ نَفْسِي . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَسْمَعُ بِالتِّرْيَاقِ الْأَكْبَرِ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي خَزَائِنِ مُلُوكِ فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ وَأَصْلَحِهَا لْعِظَامِ الْأَدْوَاءِ فَقَضَتْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شِفَاءٌ لَا مَحَالَةَ ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنْ كُلِّ نَفْعٍ ، وَقَضَوْا بِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْمَنِيَّةَ حِينًا وَيَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَيَقِي الْعَاهَاتِ . قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ خَمْرًا : سَقَتْنِي بِصَهْبَاءَ دِرْيَاقَةٍ مَتَى مَا تَلِينُ عِظَامِي تَلِنْ فَكَنَّى عَنِ الشِّفَاءِ بِالدِّرْيَاقِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : سَقَتْنِي بِخَمْرٍ شِفَاءٍ مِنْ كُلِّ دَاءٍ كَأَنَّهَا دِرْيَاقٌ وَشَبَّهَ الْمُتَشَبِّبُونَ رِيقَ النِّسَاءِ بِالدَّرْيَاقِ ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنَ الْوَجْدِ كَالدِّرْيَاقِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ قَرَنَ شُرْبَ الدِّرْيَاقِ بِتَعْلِيقِ التَّمَائِمِ وَالتَّمَائِمُ خَرَزُ رُقُطٍ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَجْعَلُهَا فِي الْعُنُقِ وَالْعَضُدِ تَسْتَرِقِي بِهَا وَتَظُنُّ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنِ الْمَرْءِ الْعَاهَاتِ وَتَمُدُّ فِي الْعُمُرِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا مَاتَ لَمْ تُفْلِحْ مُزَيْنَةُ بَعْدَهُ فَنُوطِيَ عَلَيْهِ يَا مُزَيْنُ التَّمَائِمَا يَقُولُ : عَلِّقِي عَلَيْهِ هَذَا الْخَرَزَ لِتَقِيهِ الْمَنِيَّةَ . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ : جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حِكْمَةً وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا ، وَلَا سَلْوَةٍ إِلَّا بِهَا سَقَيَانِي فَقَالَا شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَا لَنَا بِمَا حَمَلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يُدَانِ وَالسَّلْوَةُ حَصَاةٌ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الْعَاشِقَ إِذَا سُقِيَ الْمَاءَ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ سَلَا وَذَهَبَ عَنْهُ مَا هُوَ بِهِ ، فَهَذَا هُوَ التِّرْيَاقُ الَّذِي كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نَوَى فِيهِ هَذِهِ النِّيَّةَ وَذَهَبَ بِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ . فَأَمَّا مَنْ شَرِبَهُ وَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ الدَّوَاءِ يُؤَمِّلُ نَفْعَهُ وَيَخَافُ ضُرَّهُ وَيَسْتَشْفِي اللَّهَ تَعَالَى بِهِ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التِّرْيَاقِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ ، فَإِنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَكْرَهُهُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ الْحُمَّةُ ، يَعْنِي السُّمَّ الَّذِي يَكُونُ فِي لُحُومِهَا . وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ الرُّقَى ، يُكْرَهُ مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَبِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرِهِ وَكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا نَافِعَةٌ لَا مَحَالَةَ ، وَإِيَّاهَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : مَا تَوَكَّلَ مَنِ اسْتَرْقَى ، وَلَا يُكْرَهُ مَا كَانَ مِنَ التَّعَوُّذِ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ مِنْ صَحَابَتِهِ رَقَى قَوْمًا بِالْقُرْآنِ وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا : مَنْ أَخَذَ أَجْرًا بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ .
مخالف
الحديث المعنيّ2687 2483 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: أَتَيْنَا خَبَّابًا نَعُودُهُ ، وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ ، فَقَالَ : لَقَدْ تَطَاوَلَ مَرَضِي ، وَلَ……جامع الترمذي · رقم 2687
١ مَدخل