خَاتِمَة : صَلَاة التَّسْبِيح أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، حَيْثُ قَالَ : ورد الشَّرْع بالتطويل فِي الصَّلَاة فلنذكر طرق حَدِيثهَا ، وَكَلَام أَصْحَابنَا فِيهَا فَنَقُول : حَدِيثهَا مَشْهُور فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر النَّيْسَابُورِي ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس يَا عماه (أَلا أُعْطِيك) أَلا أمنحك ، أَلا أحبوك ، أَلا أفعل بك عشر خِصَال ، إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر الله لَك ذَنْبك أَوله وَآخره ، قديمه وَحَدِيثه خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ، أَن تصلي أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة أول رَكْعَة وَأَنت قَائِم قلت : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (خمس عشرَة) مرّة ، ثمَّ تركع وتقولها وَأَنت رَاكِع عشرا ، وترفع رَأسك من الرُّكُوع فتقولها عشرا ، ثمَّ تهوي سَاجِدا فتقولها وَأَنت ساجد عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود (فتقولها) عشرا ، ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك فتقولها عشرا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكْعَات إِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم [ مرّة ] فافعل ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل جُمُعَة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد ، عبد الرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَكَانَ أحد الْعباد ، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده ، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي موافقاته : وَهَذَا الطَّرِيق أمثل طرقه . قَالَ : وَقد رويت هَذِه الصَّلَاة من رِوَايَة الْعَبَّاس وَأنس وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وفيهَا كلهَا مقَال ، وأمثلها مَا تقدم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (من) حَدِيث أبي رَافع (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للْعَبَّاس . . .) فَذكره وَفِيه : وَلَو كَانَت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لَك ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، وَمن يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : إِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي يَوْم فقلها فِي جُمُعَة ، فَإِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي جُمُعَة فقلها فِي شهر ، فَلم يزل يَقُول حَتَّى قَالَ : فقلها فِي سنة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي رَافع . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير حديثٍ فِي صَلَاة التَّسْبِيح وَلَا يَصح مِنْهُ كَبِير شَيْء ، وَقد رَأَى ابْن الْمُبَارك (وَغير) واحدٍ من أهل الْعلم صَلَاة (التَّسْبِيح) وَذكروا الْفضل فِيهِ . نَا أَحْمد بن عَبدة ، نَا (أَبُو وهب) قَالَ : سألتُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا فَقَالَ : يكبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك ، ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ثمَّ يتعوَّذ وَيقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (ثمَّ) يرْكَع ، فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع [ رَأسه ] فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا ، يُصَلِّي أَربع (رَكْعَات) عَلَى هَذَا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة ، يبْدَأ فِي كل رَكْعَة (بِخمْس عشرَة) تَسْبِيحَة ، ثمَّ يقْرَأ ، ثمَّ يسبح عشرا ، فَإِن صَلَّى لَيْلًا فَأحب إِلَي أَن يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَإِن صَلَّى نَهَارا فَإِن شَاءَ سلم ، وَإِن شَاءَ لم يسلم . قَالَ أَبُو وهب : وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز بن أبي (رزمة) ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم ، وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، ثمَّ يسبح التسبيحات . قَالَ أَحْمد بن عَبدة : وثنا وهب بن زَمعَة قَالَ : أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز - وَهُوَ ابْن أبي رزمة - قَالَ : قلت لعبد الله بن الْمُبَارك : إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثمِائَة تَسْبِيحَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أبنا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن يُوسُف ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم الْهِلَالِي ، ثَنَا مُوسَى بن عبد الْعَزِيز أَبُو شُعَيْب (القنباري) ، نَا الحكم بن أبان ، حَدثنِي عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْعَبَّاس . . . فَذكره بِاللَّفْظِ السالف عَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث يماني وَصله مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي النَّسَائِيّ - فِي الصَّحِيح . قلت : لم أره فِيهِ . قَالَ : فَرَوَوْه ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِمثلِهِ لفظا وَاحِدًا ، ثمَّ قَالَ : أما حَال مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَأحْسن الثَّنَاء عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق . ثمَّ ذكر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَأما حَال الحكم بن أبان فقد قَالَ البُخَارِيّ : ثَنَا عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ ، عَن ( ابْن) عُيَيْنَة قَالَ : سَأَلت يُوسُف بن يَعْقُوب كَيفَ كَانَ الحكم بن أبان ؟ قَالَ : ذَاك سيدنَا . قَالَ الْحَاكِم : وَأما إرْسَال إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه فَحَدَّثَنِيهِ عَلّي بن عِيسَى . . . فَذكره بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا الْإِرْسَال لَا يوهن الْوَصْل ؛ فَإِن الزِّيَادَة من الثِّقَة أولَى من الْإِرْسَال ، عَلَى أَن إِمَام أهل عصره فِي الحَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد ، عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان وَوَصله . . . فَذكره ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : وَقد صحت (الرِّوَايَة) عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علم ابْن عَمه جَعْفَر (بن أبي طَالب) هَذِه الصَّلَاة كَمَا علمهَا عَمه ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث اسْتِعْمَال الْأَئِمَّة من أَتبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا إِيَّاه ، ومواظبتهم عَلَيْهِ ، وتعليمهن النَّاس مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك ، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث ، عَن ابْن الْمُبَارك كلهم ثِقَات أَثْبَات . قَالَ : وَلَا يُتَّهَمُ عبد الله أَن يعلم مَا لم يصحَّ عِنْده (سَنَده) انْتَهَى مَا ذكره الْحَاكِم . ( وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : أصح شَيْء فِي فَضَائِل السُّور ( قل هُوَ الله أحد ) . وَأَصَح شَيْء فِي فَضَائِل الصَّلَوَات صَلَاة التَّسْبِيح ) ، وَأغْرب ابْن الْجَوْزِيّ فروَى هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من حَدِيث الْعَبَّاس (وَابْنه وَأبي رَافع) وضعفها كلهَا وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تثبت ، (وَقد) رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وعليًّا وجعفرًا . (ثمَّ) ضعفها وَنقل عَن الْحَافِظ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح (حَدِيث) يثبت وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من الغلو ، وَله فِي هَذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا ، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل (بَعْضهَا) حسن أَو صَحِيح . وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : لم يكن لَهُ أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ . قلت : مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ : وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي (كل) جُمُعَة ، قَالَ الْعلمَاء : وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته ، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا ، (وَصَلَاة التَّسْبِيح) مثبتة فِيهَا ، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة ، ثمَّ (من) طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة ، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقد اسْتحبَّ هَذِه الصَّلَاة من أَصْحَابنَا القَاضِي الْحُسَيْن وَصَاحب التَّهْذِيب والتَّتِمَّة وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر عملا بِالْحَدِيثِ فِيهَا ، وَاعْترض عَلَيْهِم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب نظر ؛ لِأَن حَدِيثهَا ضَعِيف وفيهَا تَغْيِير لنظم الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة ، فَيَنْبَغِي أَن لَا تفعل بِغَيْر حَدِيث صَحِيح ، وَلَيْسَ حَدِيثهَا (بِثَابِت) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصح فِي ذَلِك كَبِير شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : إِنَّه لَيْسَ فِيهَا حَدِيث حسن وَلَا صَحِيح ، وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة عَنْهُم فِي خلاصته وأقرهم ، ولخص كَلَامه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي تَحْقِيقه فَقَالَ : قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ : تسْتَحب صَلَاة التَّسْبِيح . وَعِنْدِي فِيهَا نظر ؛ لِأَن فِيهَا تَغْيِير الصَّلَاة وحديثها ضَعِيف . وَقَالَ فِي الْأَذْكَار : قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث أبي رَافع الْمَرْوِيّ فِي صَلَاة التَّسْبِيح ضَعِيف لَيْسَ لَهُ أصل فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذكره التِّرْمِذِيّ لينبه عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يغتر بِهِ . قَالَ : وَقَول ابْن الْمُبَارك لَيْسَ بِحجَّة . ثمَّ نقل كَلَام الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ : وَقد نصَّ جمَاعَة من أَصْحَابنَا عَلَى استحبابها مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ وأقرهما عَلَى ذَلِك . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات : قد جَاءَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث حسن فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره ، وَذكره (الْمحَامِلِي) وَصَاحب التتمَّة وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا وَهِي سُنَّةٌ حَسَنَة . هَذَا لَفظه وَهُوَ مُخَالف لما قدمه فِي غير هَذَا الْكتاب ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب . (وَسميت صَلَاة التَّسْبِيح لِكَثْرَة التَّسْبِيح فِيهَا خلاف الْعَادة فِي غَيرهَا) .
تخريج كتب التخريج والعلل
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرخَاتِمَة · ص 235 البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرخَاتِمَة · ص 235 خَاتِمَة : صَلَاة التَّسْبِيح أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، حَيْثُ قَالَ : ورد الشَّرْع بالتطويل فِي الصَّلَاة فلنذكر طرق حَدِيثهَا ، وَكَلَام أَصْحَابنَا فِيهَا فَنَقُول : حَدِيثهَا مَشْهُور فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر النَّيْسَابُورِي ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس يَا عماه (أَلا أُعْطِيك) أَلا أمنحك ، أَلا أحبوك ، أَلا أفعل بك عشر خِصَال ، إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر الله لَك ذَنْبك أَوله وَآخره ، قديمه وَحَدِيثه خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ، أَن تصلي أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة أول رَكْعَة وَأَنت قَائِم قلت : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (خمس عشرَة) مرّة ، ثمَّ تركع وتقولها وَأَنت رَاكِع عشرا ، وترفع رَأسك من الرُّكُوع فتقولها عشرا ، ثمَّ تهوي سَاجِدا فتقولها وَأَنت ساجد عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود (فتقولها) عشرا ، ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك فتقولها عشرا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكْعَات إِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم [ مرّة ] فافعل ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل جُمُعَة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد ، عبد الرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَكَانَ أحد الْعباد ، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده ، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي موافقاته : وَهَذَا الطَّرِيق أمثل طرقه . قَالَ : وَقد رويت هَذِه الصَّلَاة من رِوَايَة الْعَبَّاس وَأنس وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وفيهَا كلهَا مقَال ، وأمثلها مَا تقدم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (من) حَدِيث أبي رَافع (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للْعَبَّاس . . .) فَذكره وَفِيه : وَلَو كَانَت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لَك ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، وَمن يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : إِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي يَوْم فقلها فِي جُمُعَة ، فَإِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي جُمُعَة فقلها فِي شهر ، فَلم يزل يَقُول حَتَّى قَالَ : فقلها فِي سنة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي رَافع . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير حديثٍ فِي صَلَاة التَّسْبِيح وَلَا يَصح مِنْهُ كَبِير شَيْء ، وَقد رَأَى ابْن الْمُبَارك (وَغير) واحدٍ من أهل الْعلم صَلَاة (التَّسْبِيح) وَذكروا الْفضل فِيهِ . نَا أَحْمد بن عَبدة ، نَا (أَبُو وهب) قَالَ : سألتُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا فَقَالَ : يكبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك ، ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ثمَّ يتعوَّذ وَيقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (ثمَّ) يرْكَع ، فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع [ رَأسه ] فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا ، يُصَلِّي أَربع (رَكْعَات) عَلَى هَذَا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة ، يبْدَأ فِي كل رَكْعَة (بِخمْس عشرَة) تَسْبِيحَة ، ثمَّ يقْرَأ ، ثمَّ يسبح عشرا ، فَإِن صَلَّى لَيْلًا فَأحب إِلَي أَن يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَإِن صَلَّى نَهَارا فَإِن شَاءَ سلم ، وَإِن شَاءَ لم يسلم . قَالَ أَبُو وهب : وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز بن أبي (رزمة) ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم ، وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، ثمَّ يسبح التسبيحات . قَالَ أَحْمد بن عَبدة : وثنا وهب بن زَمعَة قَالَ : أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز - وَهُوَ ابْن أبي رزمة - قَالَ : قلت لعبد الله بن الْمُبَارك : إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثمِائَة تَسْبِيحَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أبنا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن يُوسُف ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم الْهِلَالِي ، ثَنَا مُوسَى بن عبد الْعَزِيز أَبُو شُعَيْب (القنباري) ، نَا الحكم بن أبان ، حَدثنِي عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْعَبَّاس . . . فَذكره بِاللَّفْظِ السالف عَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث يماني وَصله مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي النَّسَائِيّ - فِي الصَّحِيح . قلت : لم أره فِيهِ . قَالَ : فَرَوَوْه ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِمثلِهِ لفظا وَاحِدًا ، ثمَّ قَالَ : أما حَال مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَأحْسن الثَّنَاء عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق . ثمَّ ذكر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَأما حَال الحكم بن أبان فقد قَالَ البُخَارِيّ : ثَنَا عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ ، عَن ( ابْن) عُيَيْنَة قَالَ : سَأَلت يُوسُف بن يَعْقُوب كَيفَ كَانَ الحكم بن أبان ؟ قَالَ : ذَاك سيدنَا . قَالَ الْحَاكِم : وَأما إرْسَال إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه فَحَدَّثَنِيهِ عَلّي بن عِيسَى . . . فَذكره بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا الْإِرْسَال لَا يوهن الْوَصْل ؛ فَإِن الزِّيَادَة من الثِّقَة أولَى من الْإِرْسَال ، عَلَى أَن إِمَام أهل عصره فِي الحَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد ، عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان وَوَصله . . . فَذكره ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : وَقد صحت (الرِّوَايَة) عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علم ابْن عَمه جَعْفَر (بن أبي طَالب) هَذِه الصَّلَاة كَمَا علمهَا عَمه ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث اسْتِعْمَال الْأَئِمَّة من أَتبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا إِيَّاه ، ومواظبتهم عَلَيْهِ ، وتعليمهن النَّاس مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك ، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث ، عَن ابْن الْمُبَارك كلهم ثِقَات أَثْبَات . قَالَ : وَلَا يُتَّهَمُ عبد الله أَن يعلم مَا لم يصحَّ عِنْده (سَنَده) انْتَهَى مَا ذكره الْحَاكِم . ( وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : أصح شَيْء فِي فَضَائِل السُّور ( قل هُوَ الله أحد ) . وَأَصَح شَيْء فِي فَضَائِل الصَّلَوَات صَلَاة التَّسْبِيح ) ، وَأغْرب ابْن الْجَوْزِيّ فروَى هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من حَدِيث الْعَبَّاس (وَابْنه وَأبي رَافع) وضعفها كلهَا وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تثبت ، (وَقد) رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وعليًّا وجعفرًا . (ثمَّ) ضعفها وَنقل عَن الْحَافِظ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح (حَدِيث) يثبت وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من الغلو ، وَله فِي هَذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا ، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل (بَعْضهَا) حسن أَو صَحِيح . وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : لم يكن لَهُ أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ . قلت : مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ : وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي (كل) جُمُعَة ، قَالَ الْعلمَاء : وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته ، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا ، (وَصَلَاة التَّسْبِيح) مثبتة فِيهَا ، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة ، ثمَّ (من) طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة ، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقد اسْتحبَّ هَذِه الصَّلَاة من أَصْحَابنَا القَاضِي الْحُسَيْن وَصَاحب التَّهْذِيب والتَّتِمَّة وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر عملا بِالْحَدِيثِ فِيهَا ، وَاعْترض عَلَيْهِم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب نظر ؛ لِأَن حَدِيثهَا ضَعِيف وفيهَا تَغْيِير لنظم الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة ، فَيَنْبَغِي أَن لَا تفعل بِغَيْر حَدِيث صَحِيح ، وَلَيْسَ حَدِيثهَا (بِثَابِت) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصح فِي ذَلِك كَبِير شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : إِنَّه لَيْسَ فِيهَا حَدِيث حسن وَلَا صَحِيح ، وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة عَنْهُم فِي خلاصته وأقرهم ، ولخص كَلَامه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي تَحْقِيقه فَقَالَ : قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ : تسْتَحب صَلَاة التَّسْبِيح . وَعِنْدِي فِيهَا نظر ؛ لِأَن فِيهَا تَغْيِير الصَّلَاة وحديثها ضَعِيف . وَقَالَ فِي الْأَذْكَار : قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث أبي رَافع الْمَرْوِيّ فِي صَلَاة التَّسْبِيح ضَعِيف لَيْسَ لَهُ أصل فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذكره التِّرْمِذِيّ لينبه عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يغتر بِهِ . قَالَ : وَقَول ابْن الْمُبَارك لَيْسَ بِحجَّة . ثمَّ نقل كَلَام الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ : وَقد نصَّ جمَاعَة من أَصْحَابنَا عَلَى استحبابها مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ وأقرهما عَلَى ذَلِك . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات : قد جَاءَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث حسن فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره ، وَذكره (الْمحَامِلِي) وَصَاحب التتمَّة وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا وَهِي سُنَّةٌ حَسَنَة . هَذَا لَفظه وَهُوَ مُخَالف لما قدمه فِي غير هَذَا الْكتاب ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب . (وَسميت صَلَاة التَّسْبِيح لِكَثْرَة التَّسْبِيح فِيهَا خلاف الْعَادة فِي غَيرهَا) .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرخَاتِمَة · ص 235 خَاتِمَة : صَلَاة التَّسْبِيح أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، حَيْثُ قَالَ : ورد الشَّرْع بالتطويل فِي الصَّلَاة فلنذكر طرق حَدِيثهَا ، وَكَلَام أَصْحَابنَا فِيهَا فَنَقُول : حَدِيثهَا مَشْهُور فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر النَّيْسَابُورِي ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس يَا عماه (أَلا أُعْطِيك) أَلا أمنحك ، أَلا أحبوك ، أَلا أفعل بك عشر خِصَال ، إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر الله لَك ذَنْبك أَوله وَآخره ، قديمه وَحَدِيثه خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ، أَن تصلي أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة أول رَكْعَة وَأَنت قَائِم قلت : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (خمس عشرَة) مرّة ، ثمَّ تركع وتقولها وَأَنت رَاكِع عشرا ، وترفع رَأسك من الرُّكُوع فتقولها عشرا ، ثمَّ تهوي سَاجِدا فتقولها وَأَنت ساجد عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود (فتقولها) عشرا ، ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك فتقولها عشرا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكْعَات إِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم [ مرّة ] فافعل ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل جُمُعَة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد ، عبد الرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَكَانَ أحد الْعباد ، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده ، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي موافقاته : وَهَذَا الطَّرِيق أمثل طرقه . قَالَ : وَقد رويت هَذِه الصَّلَاة من رِوَايَة الْعَبَّاس وَأنس وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وفيهَا كلهَا مقَال ، وأمثلها مَا تقدم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (من) حَدِيث أبي رَافع (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للْعَبَّاس . . .) فَذكره وَفِيه : وَلَو كَانَت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لَك ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، وَمن يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : إِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي يَوْم فقلها فِي جُمُعَة ، فَإِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي جُمُعَة فقلها فِي شهر ، فَلم يزل يَقُول حَتَّى قَالَ : فقلها فِي سنة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي رَافع . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير حديثٍ فِي صَلَاة التَّسْبِيح وَلَا يَصح مِنْهُ كَبِير شَيْء ، وَقد رَأَى ابْن الْمُبَارك (وَغير) واحدٍ من أهل الْعلم صَلَاة (التَّسْبِيح) وَذكروا الْفضل فِيهِ . نَا أَحْمد بن عَبدة ، نَا (أَبُو وهب) قَالَ : سألتُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا فَقَالَ : يكبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك ، ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ثمَّ يتعوَّذ وَيقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (ثمَّ) يرْكَع ، فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع [ رَأسه ] فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا ، يُصَلِّي أَربع (رَكْعَات) عَلَى هَذَا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة ، يبْدَأ فِي كل رَكْعَة (بِخمْس عشرَة) تَسْبِيحَة ، ثمَّ يقْرَأ ، ثمَّ يسبح عشرا ، فَإِن صَلَّى لَيْلًا فَأحب إِلَي أَن يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَإِن صَلَّى نَهَارا فَإِن شَاءَ سلم ، وَإِن شَاءَ لم يسلم . قَالَ أَبُو وهب : وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز بن أبي (رزمة) ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم ، وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، ثمَّ يسبح التسبيحات . قَالَ أَحْمد بن عَبدة : وثنا وهب بن زَمعَة قَالَ : أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز - وَهُوَ ابْن أبي رزمة - قَالَ : قلت لعبد الله بن الْمُبَارك : إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثمِائَة تَسْبِيحَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أبنا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن يُوسُف ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم الْهِلَالِي ، ثَنَا مُوسَى بن عبد الْعَزِيز أَبُو شُعَيْب (القنباري) ، نَا الحكم بن أبان ، حَدثنِي عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْعَبَّاس . . . فَذكره بِاللَّفْظِ السالف عَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث يماني وَصله مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي النَّسَائِيّ - فِي الصَّحِيح . قلت : لم أره فِيهِ . قَالَ : فَرَوَوْه ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِمثلِهِ لفظا وَاحِدًا ، ثمَّ قَالَ : أما حَال مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَأحْسن الثَّنَاء عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق . ثمَّ ذكر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَأما حَال الحكم بن أبان فقد قَالَ البُخَارِيّ : ثَنَا عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ ، عَن ( ابْن) عُيَيْنَة قَالَ : سَأَلت يُوسُف بن يَعْقُوب كَيفَ كَانَ الحكم بن أبان ؟ قَالَ : ذَاك سيدنَا . قَالَ الْحَاكِم : وَأما إرْسَال إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه فَحَدَّثَنِيهِ عَلّي بن عِيسَى . . . فَذكره بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا الْإِرْسَال لَا يوهن الْوَصْل ؛ فَإِن الزِّيَادَة من الثِّقَة أولَى من الْإِرْسَال ، عَلَى أَن إِمَام أهل عصره فِي الحَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد ، عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان وَوَصله . . . فَذكره ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : وَقد صحت (الرِّوَايَة) عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علم ابْن عَمه جَعْفَر (بن أبي طَالب) هَذِه الصَّلَاة كَمَا علمهَا عَمه ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث اسْتِعْمَال الْأَئِمَّة من أَتبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا إِيَّاه ، ومواظبتهم عَلَيْهِ ، وتعليمهن النَّاس مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك ، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث ، عَن ابْن الْمُبَارك كلهم ثِقَات أَثْبَات . قَالَ : وَلَا يُتَّهَمُ عبد الله أَن يعلم مَا لم يصحَّ عِنْده (سَنَده) انْتَهَى مَا ذكره الْحَاكِم . ( وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : أصح شَيْء فِي فَضَائِل السُّور ( قل هُوَ الله أحد ) . وَأَصَح شَيْء فِي فَضَائِل الصَّلَوَات صَلَاة التَّسْبِيح ) ، وَأغْرب ابْن الْجَوْزِيّ فروَى هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من حَدِيث الْعَبَّاس (وَابْنه وَأبي رَافع) وضعفها كلهَا وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تثبت ، (وَقد) رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وعليًّا وجعفرًا . (ثمَّ) ضعفها وَنقل عَن الْحَافِظ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح (حَدِيث) يثبت وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من الغلو ، وَله فِي هَذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا ، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل (بَعْضهَا) حسن أَو صَحِيح . وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : لم يكن لَهُ أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ . قلت : مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ : وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي (كل) جُمُعَة ، قَالَ الْعلمَاء : وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته ، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا ، (وَصَلَاة التَّسْبِيح) مثبتة فِيهَا ، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة ، ثمَّ (من) طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة ، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقد اسْتحبَّ هَذِه الصَّلَاة من أَصْحَابنَا القَاضِي الْحُسَيْن وَصَاحب التَّهْذِيب والتَّتِمَّة وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر عملا بِالْحَدِيثِ فِيهَا ، وَاعْترض عَلَيْهِم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب نظر ؛ لِأَن حَدِيثهَا ضَعِيف وفيهَا تَغْيِير لنظم الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة ، فَيَنْبَغِي أَن لَا تفعل بِغَيْر حَدِيث صَحِيح ، وَلَيْسَ حَدِيثهَا (بِثَابِت) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصح فِي ذَلِك كَبِير شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : إِنَّه لَيْسَ فِيهَا حَدِيث حسن وَلَا صَحِيح ، وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة عَنْهُم فِي خلاصته وأقرهم ، ولخص كَلَامه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي تَحْقِيقه فَقَالَ : قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ : تسْتَحب صَلَاة التَّسْبِيح . وَعِنْدِي فِيهَا نظر ؛ لِأَن فِيهَا تَغْيِير الصَّلَاة وحديثها ضَعِيف . وَقَالَ فِي الْأَذْكَار : قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث أبي رَافع الْمَرْوِيّ فِي صَلَاة التَّسْبِيح ضَعِيف لَيْسَ لَهُ أصل فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذكره التِّرْمِذِيّ لينبه عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يغتر بِهِ . قَالَ : وَقَول ابْن الْمُبَارك لَيْسَ بِحجَّة . ثمَّ نقل كَلَام الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ : وَقد نصَّ جمَاعَة من أَصْحَابنَا عَلَى استحبابها مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ وأقرهما عَلَى ذَلِك . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات : قد جَاءَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث حسن فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره ، وَذكره (الْمحَامِلِي) وَصَاحب التتمَّة وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا وَهِي سُنَّةٌ حَسَنَة . هَذَا لَفظه وَهُوَ مُخَالف لما قدمه فِي غير هَذَا الْكتاب ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب . (وَسميت صَلَاة التَّسْبِيح لِكَثْرَة التَّسْبِيح فِيهَا خلاف الْعَادة فِي غَيرهَا) .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرخَاتِمَة · ص 235 خَاتِمَة : صَلَاة التَّسْبِيح أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، حَيْثُ قَالَ : ورد الشَّرْع بالتطويل فِي الصَّلَاة فلنذكر طرق حَدِيثهَا ، وَكَلَام أَصْحَابنَا فِيهَا فَنَقُول : حَدِيثهَا مَشْهُور فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر النَّيْسَابُورِي ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس يَا عماه (أَلا أُعْطِيك) أَلا أمنحك ، أَلا أحبوك ، أَلا أفعل بك عشر خِصَال ، إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر الله لَك ذَنْبك أَوله وَآخره ، قديمه وَحَدِيثه خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ، أَن تصلي أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة أول رَكْعَة وَأَنت قَائِم قلت : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (خمس عشرَة) مرّة ، ثمَّ تركع وتقولها وَأَنت رَاكِع عشرا ، وترفع رَأسك من الرُّكُوع فتقولها عشرا ، ثمَّ تهوي سَاجِدا فتقولها وَأَنت ساجد عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود (فتقولها) عشرا ، ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك فتقولها عشرا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكْعَات إِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم [ مرّة ] فافعل ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل جُمُعَة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد ، عبد الرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَكَانَ أحد الْعباد ، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده ، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي موافقاته : وَهَذَا الطَّرِيق أمثل طرقه . قَالَ : وَقد رويت هَذِه الصَّلَاة من رِوَايَة الْعَبَّاس وَأنس وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وفيهَا كلهَا مقَال ، وأمثلها مَا تقدم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (من) حَدِيث أبي رَافع (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للْعَبَّاس . . .) فَذكره وَفِيه : وَلَو كَانَت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لَك ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، وَمن يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : إِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي يَوْم فقلها فِي جُمُعَة ، فَإِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي جُمُعَة فقلها فِي شهر ، فَلم يزل يَقُول حَتَّى قَالَ : فقلها فِي سنة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي رَافع . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير حديثٍ فِي صَلَاة التَّسْبِيح وَلَا يَصح مِنْهُ كَبِير شَيْء ، وَقد رَأَى ابْن الْمُبَارك (وَغير) واحدٍ من أهل الْعلم صَلَاة (التَّسْبِيح) وَذكروا الْفضل فِيهِ . نَا أَحْمد بن عَبدة ، نَا (أَبُو وهب) قَالَ : سألتُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا فَقَالَ : يكبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك ، ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ثمَّ يتعوَّذ وَيقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (ثمَّ) يرْكَع ، فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع [ رَأسه ] فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا ، يُصَلِّي أَربع (رَكْعَات) عَلَى هَذَا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة ، يبْدَأ فِي كل رَكْعَة (بِخمْس عشرَة) تَسْبِيحَة ، ثمَّ يقْرَأ ، ثمَّ يسبح عشرا ، فَإِن صَلَّى لَيْلًا فَأحب إِلَي أَن يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَإِن صَلَّى نَهَارا فَإِن شَاءَ سلم ، وَإِن شَاءَ لم يسلم . قَالَ أَبُو وهب : وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز بن أبي (رزمة) ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم ، وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، ثمَّ يسبح التسبيحات . قَالَ أَحْمد بن عَبدة : وثنا وهب بن زَمعَة قَالَ : أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز - وَهُوَ ابْن أبي رزمة - قَالَ : قلت لعبد الله بن الْمُبَارك : إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثمِائَة تَسْبِيحَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أبنا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن يُوسُف ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم الْهِلَالِي ، ثَنَا مُوسَى بن عبد الْعَزِيز أَبُو شُعَيْب (القنباري) ، نَا الحكم بن أبان ، حَدثنِي عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْعَبَّاس . . . فَذكره بِاللَّفْظِ السالف عَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث يماني وَصله مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي النَّسَائِيّ - فِي الصَّحِيح . قلت : لم أره فِيهِ . قَالَ : فَرَوَوْه ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِمثلِهِ لفظا وَاحِدًا ، ثمَّ قَالَ : أما حَال مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَأحْسن الثَّنَاء عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق . ثمَّ ذكر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَأما حَال الحكم بن أبان فقد قَالَ البُخَارِيّ : ثَنَا عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ ، عَن ( ابْن) عُيَيْنَة قَالَ : سَأَلت يُوسُف بن يَعْقُوب كَيفَ كَانَ الحكم بن أبان ؟ قَالَ : ذَاك سيدنَا . قَالَ الْحَاكِم : وَأما إرْسَال إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه فَحَدَّثَنِيهِ عَلّي بن عِيسَى . . . فَذكره بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا الْإِرْسَال لَا يوهن الْوَصْل ؛ فَإِن الزِّيَادَة من الثِّقَة أولَى من الْإِرْسَال ، عَلَى أَن إِمَام أهل عصره فِي الحَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد ، عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان وَوَصله . . . فَذكره ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : وَقد صحت (الرِّوَايَة) عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علم ابْن عَمه جَعْفَر (بن أبي طَالب) هَذِه الصَّلَاة كَمَا علمهَا عَمه ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث اسْتِعْمَال الْأَئِمَّة من أَتبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا إِيَّاه ، ومواظبتهم عَلَيْهِ ، وتعليمهن النَّاس مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك ، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث ، عَن ابْن الْمُبَارك كلهم ثِقَات أَثْبَات . قَالَ : وَلَا يُتَّهَمُ عبد الله أَن يعلم مَا لم يصحَّ عِنْده (سَنَده) انْتَهَى مَا ذكره الْحَاكِم . ( وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : أصح شَيْء فِي فَضَائِل السُّور ( قل هُوَ الله أحد ) . وَأَصَح شَيْء فِي فَضَائِل الصَّلَوَات صَلَاة التَّسْبِيح ) ، وَأغْرب ابْن الْجَوْزِيّ فروَى هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من حَدِيث الْعَبَّاس (وَابْنه وَأبي رَافع) وضعفها كلهَا وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تثبت ، (وَقد) رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وعليًّا وجعفرًا . (ثمَّ) ضعفها وَنقل عَن الْحَافِظ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح (حَدِيث) يثبت وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من الغلو ، وَله فِي هَذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا ، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل (بَعْضهَا) حسن أَو صَحِيح . وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : لم يكن لَهُ أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ . قلت : مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ : وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي (كل) جُمُعَة ، قَالَ الْعلمَاء : وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته ، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا ، (وَصَلَاة التَّسْبِيح) مثبتة فِيهَا ، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة ، ثمَّ (من) طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة ، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقد اسْتحبَّ هَذِه الصَّلَاة من أَصْحَابنَا القَاضِي الْحُسَيْن وَصَاحب التَّهْذِيب والتَّتِمَّة وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر عملا بِالْحَدِيثِ فِيهَا ، وَاعْترض عَلَيْهِم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب نظر ؛ لِأَن حَدِيثهَا ضَعِيف وفيهَا تَغْيِير لنظم الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة ، فَيَنْبَغِي أَن لَا تفعل بِغَيْر حَدِيث صَحِيح ، وَلَيْسَ حَدِيثهَا (بِثَابِت) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصح فِي ذَلِك كَبِير شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : إِنَّه لَيْسَ فِيهَا حَدِيث حسن وَلَا صَحِيح ، وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة عَنْهُم فِي خلاصته وأقرهم ، ولخص كَلَامه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي تَحْقِيقه فَقَالَ : قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ : تسْتَحب صَلَاة التَّسْبِيح . وَعِنْدِي فِيهَا نظر ؛ لِأَن فِيهَا تَغْيِير الصَّلَاة وحديثها ضَعِيف . وَقَالَ فِي الْأَذْكَار : قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث أبي رَافع الْمَرْوِيّ فِي صَلَاة التَّسْبِيح ضَعِيف لَيْسَ لَهُ أصل فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذكره التِّرْمِذِيّ لينبه عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يغتر بِهِ . قَالَ : وَقَول ابْن الْمُبَارك لَيْسَ بِحجَّة . ثمَّ نقل كَلَام الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ : وَقد نصَّ جمَاعَة من أَصْحَابنَا عَلَى استحبابها مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ وأقرهما عَلَى ذَلِك . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات : قد جَاءَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث حسن فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره ، وَذكره (الْمحَامِلِي) وَصَاحب التتمَّة وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا وَهِي سُنَّةٌ حَسَنَة . هَذَا لَفظه وَهُوَ مُخَالف لما قدمه فِي غير هَذَا الْكتاب ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب . (وَسميت صَلَاة التَّسْبِيح لِكَثْرَة التَّسْبِيح فِيهَا خلاف الْعَادة فِي غَيرهَا) .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرخَاتِمَة · ص 235 خَاتِمَة : صَلَاة التَّسْبِيح أَشَارَ إِلَيْهَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، حَيْثُ قَالَ : ورد الشَّرْع بالتطويل فِي الصَّلَاة فلنذكر طرق حَدِيثهَا ، وَكَلَام أَصْحَابنَا فِيهَا فَنَقُول : حَدِيثهَا مَشْهُور فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر النَّيْسَابُورِي ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس يَا عماه (أَلا أُعْطِيك) أَلا أمنحك ، أَلا أحبوك ، أَلا أفعل بك عشر خِصَال ، إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر الله لَك ذَنْبك أَوله وَآخره ، قديمه وَحَدِيثه خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ، أَن تصلي أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة أول رَكْعَة وَأَنت قَائِم قلت : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (خمس عشرَة) مرّة ، ثمَّ تركع وتقولها وَأَنت رَاكِع عشرا ، وترفع رَأسك من الرُّكُوع فتقولها عشرا ، ثمَّ تهوي سَاجِدا فتقولها وَأَنت ساجد عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود (فتقولها) عشرا ، ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ، ثمَّ ترفع رَأسك فتقولها عشرا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكْعَات إِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم [ مرّة ] فافعل ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل جُمُعَة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة ، فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد ، عبد الرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَكَانَ أحد الْعباد ، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده ، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي موافقاته : وَهَذَا الطَّرِيق أمثل طرقه . قَالَ : وَقد رويت هَذِه الصَّلَاة من رِوَايَة الْعَبَّاس وَأنس وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وفيهَا كلهَا مقَال ، وأمثلها مَا تقدم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (من) حَدِيث أبي رَافع (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للْعَبَّاس . . .) فَذكره وَفِيه : وَلَو كَانَت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لَك ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، وَمن يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : إِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي يَوْم فقلها فِي جُمُعَة ، فَإِن لم تستطع أَن تَقُولهَا فِي جُمُعَة فقلها فِي شهر ، فَلم يزل يَقُول حَتَّى قَالَ : فقلها فِي سنة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي رَافع . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير حديثٍ فِي صَلَاة التَّسْبِيح وَلَا يَصح مِنْهُ كَبِير شَيْء ، وَقد رَأَى ابْن الْمُبَارك (وَغير) واحدٍ من أهل الْعلم صَلَاة (التَّسْبِيح) وَذكروا الْفضل فِيهِ . نَا أَحْمد بن عَبدة ، نَا (أَبُو وهب) قَالَ : سألتُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا فَقَالَ : يكبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك ، ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ثمَّ يتعوَّذ وَيقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات : سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر (ثمَّ) يرْكَع ، فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع [ رَأسه ] فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ، ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ، ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا ، يُصَلِّي أَربع (رَكْعَات) عَلَى هَذَا ، فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة ، يبْدَأ فِي كل رَكْعَة (بِخمْس عشرَة) تَسْبِيحَة ، ثمَّ يقْرَأ ، ثمَّ يسبح عشرا ، فَإِن صَلَّى لَيْلًا فَأحب إِلَي أَن يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَإِن صَلَّى نَهَارا فَإِن شَاءَ سلم ، وَإِن شَاءَ لم يسلم . قَالَ أَبُو وهب : وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز بن أبي (رزمة) ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم ، وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، ثمَّ يسبح التسبيحات . قَالَ أَحْمد بن عَبدة : وثنا وهب بن زَمعَة قَالَ : أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز - وَهُوَ ابْن أبي رزمة - قَالَ : قلت لعبد الله بن الْمُبَارك : إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثمِائَة تَسْبِيحَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أبنا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن يُوسُف ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم الْهِلَالِي ، ثَنَا مُوسَى بن عبد الْعَزِيز أَبُو شُعَيْب (القنباري) ، نَا الحكم بن أبان ، حَدثنِي عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْعَبَّاس . . . فَذكره بِاللَّفْظِ السالف عَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث يماني وَصله مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بن أبان . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي النَّسَائِيّ - فِي الصَّحِيح . قلت : لم أره فِيهِ . قَالَ : فَرَوَوْه ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ، عَن مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِمثلِهِ لفظا وَاحِدًا ، ثمَّ قَالَ : أما حَال مُوسَى بن عبد الْعَزِيز فَأحْسن الثَّنَاء عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق . ثمَّ ذكر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَأما حَال الحكم بن أبان فقد قَالَ البُخَارِيّ : ثَنَا عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ ، عَن ( ابْن) عُيَيْنَة قَالَ : سَأَلت يُوسُف بن يَعْقُوب كَيفَ كَانَ الحكم بن أبان ؟ قَالَ : ذَاك سيدنَا . قَالَ الْحَاكِم : وَأما إرْسَال إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه فَحَدَّثَنِيهِ عَلّي بن عِيسَى . . . فَذكره بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا الْإِرْسَال لَا يوهن الْوَصْل ؛ فَإِن الزِّيَادَة من الثِّقَة أولَى من الْإِرْسَال ، عَلَى أَن إِمَام أهل عصره فِي الحَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي قد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد ، عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان وَوَصله . . . فَذكره ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُوسَى بن عبد الْعَزِيز ، عَن الحكم بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : وَقد صحت (الرِّوَايَة) عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علم ابْن عَمه جَعْفَر (بن أبي طَالب) هَذِه الصَّلَاة كَمَا علمهَا عَمه ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث اسْتِعْمَال الْأَئِمَّة من أَتبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا إِيَّاه ، ومواظبتهم عَلَيْهِ ، وتعليمهن النَّاس مِنْهُم عبد الله بن الْمُبَارك ، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث ، عَن ابْن الْمُبَارك كلهم ثِقَات أَثْبَات . قَالَ : وَلَا يُتَّهَمُ عبد الله أَن يعلم مَا لم يصحَّ عِنْده (سَنَده) انْتَهَى مَا ذكره الْحَاكِم . ( وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : أصح شَيْء فِي فَضَائِل السُّور ( قل هُوَ الله أحد ) . وَأَصَح شَيْء فِي فَضَائِل الصَّلَوَات صَلَاة التَّسْبِيح ) ، وَأغْرب ابْن الْجَوْزِيّ فروَى هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من حَدِيث الْعَبَّاس (وَابْنه وَأبي رَافع) وضعفها كلهَا وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تثبت ، (وَقد) رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وعليًّا وجعفرًا . (ثمَّ) ضعفها وَنقل عَن الْحَافِظ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح (حَدِيث) يثبت وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته من الغلو ، وَله فِي هَذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا ، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل (بَعْضهَا) حسن أَو صَحِيح . وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف . قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : لم يكن لَهُ أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ . قلت : مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ : وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي (كل) جُمُعَة ، قَالَ الْعلمَاء : وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته ، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا ، (وَصَلَاة التَّسْبِيح) مثبتة فِيهَا ، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة ، ثمَّ (من) طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة ، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقد اسْتحبَّ هَذِه الصَّلَاة من أَصْحَابنَا القَاضِي الْحُسَيْن وَصَاحب التَّهْذِيب والتَّتِمَّة وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر عملا بِالْحَدِيثِ فِيهَا ، وَاعْترض عَلَيْهِم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب نظر ؛ لِأَن حَدِيثهَا ضَعِيف وفيهَا تَغْيِير لنظم الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة ، فَيَنْبَغِي أَن لَا تفعل بِغَيْر حَدِيث صَحِيح ، وَلَيْسَ حَدِيثهَا (بِثَابِت) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصح فِي ذَلِك كَبِير شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : إِنَّه لَيْسَ فِيهَا حَدِيث حسن وَلَا صَحِيح ، وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة عَنْهُم فِي خلاصته وأقرهم ، ولخص كَلَامه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي تَحْقِيقه فَقَالَ : قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ : تسْتَحب صَلَاة التَّسْبِيح . وَعِنْدِي فِيهَا نظر ؛ لِأَن فِيهَا تَغْيِير الصَّلَاة وحديثها ضَعِيف . وَقَالَ فِي الْأَذْكَار : قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث أبي رَافع الْمَرْوِيّ فِي صَلَاة التَّسْبِيح ضَعِيف لَيْسَ لَهُ أصل فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذكره التِّرْمِذِيّ لينبه عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يغتر بِهِ . قَالَ : وَقَول ابْن الْمُبَارك لَيْسَ بِحجَّة . ثمَّ نقل كَلَام الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ : وَقد نصَّ جمَاعَة من أَصْحَابنَا عَلَى استحبابها مِنْهُم الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيّ وأقرهما عَلَى ذَلِك . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات : قد جَاءَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث حسن فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره ، وَذكره (الْمحَامِلِي) وَصَاحب التتمَّة وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا وَهِي سُنَّةٌ حَسَنَة . هَذَا لَفظه وَهُوَ مُخَالف لما قدمه فِي غير هَذَا الْكتاب ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب . (وَسميت صَلَاة التَّسْبِيح لِكَثْرَة التَّسْبِيح فِيهَا خلاف الْعَادة فِي غَيرهَا) .
تحفة الأشراف بمعرفة الأطرافسعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبي رافع · ص 199 سعيد بن أبي سعيد - مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم -، عن أبي رافع. 12015 - [ ت ق ] حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عم! ألا أصلك، ألا أحبوك؟ ...... الحديث - في صلاة التسبيح. ت في الصلاة (233: 3) عن أبي كريب - ق فيه (الصلاة 229: 1) عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي - كلاهما عن زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، عنه به، وقال ت: غريب.