بَاب مَا جَاءَ فِي مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ 1308 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّرِيدِ . باب ما جاء في مطل الغني ظلم قَوْلُهُ : ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ) أَيْ : تَأْخِيرُهُ أَدَاءَ الدَّيْنِ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ ( ظُلْمٌ ) فإِنَّ الْمَطْلَ : مَنْعُ أَدَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ مِنَ الْمُتَمَكِّنِ ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الْإِمْكَانِ ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالْغَنِيِّ هُنَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَأَخَّرَهُ ، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا ، قَالَ : وَقَوْلُهُ مَطْلُ الْغَنِيِّ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْفَاعِلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْغَنِيِّ الْقَادِرِ أَنْ يَمْطُلَ بِالدَّيْنِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ، وَالْمَعْنَى : يَجِبُ وَفَاءُ الدَّيْنِ ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ غَنِيًّا ، وَلَا يَكُونُ غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ ، وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَهُوَ فِي الْفَقِيرِ أَوْلَى ، ولَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ . انْتَهَى . ( فَإِذَا أُتْبِعَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ : جُعِلَ تَابِعًا لِلْغَيْرِ بِطَلَبِ الْحَقِّ ، وَحَاصِلُهُ إِذَا أُحِيلَ ( عَلَى مَلِيٍّ ) أَيْ : غَنِيٍّ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَلِيءُ بِالْهَمْزَةِ : الثِّقَةُ الْغَنِيُّ ، وَقَدْ أُولِعَ النَّاسُ فِيهِ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ . انْتَهَى . ( فَلْيَتْبَعْ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ : فَلْيَحْتَلْ يَعْنِي : فَلْيَقْبَلِ الْحَوَالَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : مَعْنَى قَوْلِهِ أُتْبِعَ فَلْيَتْبَعْ أَيْ : أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ ، وقَدْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَحْمَدُ ، قَالَ : الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ - إِسْكَانُ الْمُثَنَّاةِ فِي أُتْبِعَ ، وفِي فَلْيَتْبَعْ ، وَهُوَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِثْلُ إِذَا عُلِّمَ فَلْيَعْلَمْ ، وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَمَّا أُتْبِعَ فَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّاءِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وأَمَّا فَلْيَتْبَعْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّشْدِيدِ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ . انْتَهَى ، قَالَ الْحَافِظُ : وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أُتْبِعَ يَرُدُّهُ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : إِنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَالصَّوَابُ التَّخْفِيفُ .
الشروح
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذيبَاب مَا جَاءَ فِي مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ · ص 269 تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذيبَاب مَا جَاءَ فِي مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ · ص 269 حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : أنه إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا أُحِيلَ الرَّجُلُ عَلَى مَلِي فَاحْتَالَهُ فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا تَوِيَ مَالُ هَذَا بِإِفْلَاسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ حِينَ قَالُوا : لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًى ، وقَالَ إِسْحَاقُ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوِيَ ، هَذَا إِذَا أُحِيلَ الرَّجُلُ عَلَى آخَرَ ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَلِيٌّ ، فَإِذَا هُوَ مُعْدِمٌ فَلَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًى . قَوْلُهُ : ( وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا أُحِيلَ الرَّجُلُ عَلَى مَلِي فَاحْتَالَهُ ) أَيْ : فَقَبِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَوَالَةَ ( وَلَيْسَ لَهُ ) أَيْ : لِلرَّجُلِ الْمُحْتَالِ ( أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمُحِيلِ ) وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَةٌ ، فَلَمَّا شُرِطَ عُلِمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ عَوَّضَهُ عَنْ دَيْنِهِ بِعِوَضٍ ، ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ . ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا تَوِيَ ) كَرضي أَيْ : هَلَكَ ( مَالُ هَذَا ) أَيْ : الْمُحْتَالِ ( بِإِفْلَاسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ) أَوْ : مَوْتِهِ ( فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ ) أَيْ : فَلِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالُوا : يَرْجِعُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ ، وَشَبَّهُوهُ بِالضَّمَانِ ( وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُثْمَانَ ، وَغَيْرِهِ حِينَ قَالُوا : لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًى ) عَلَى وَزْنِ حَصًى بِمَعْنَى الْهَلَاكِ ( وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَلِي ) أَيْ : الرَّجُلُ الْمُحْتَالُ يَظُنُّ أَنَّ الْآخَرَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ غَنِيٌّ ( فَإِذَا ) لِلْمُفَاجَأَةِ ( هُوَ مُعْدِمٌ ) أَيْ : مُفْلِسٌ ( فَلَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًى ) أَيْ : هَلَاكٌ وَضَيَاعٌ .