بَاب تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الرُّحْلَةُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الصَّمَدَانِيُّ ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ النَّسَائِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾الحمد لله الذي لا تحصى مننه ، والصلاة والسلام على رسوله محمد الذي أشرقت أنواره وسننه ، هذا الكتاب الخامس مما وعدت بوضعه على الكتب الستة ، وهو تعليق على سنن الحافظ أبي عبد الرحمن النسائي على نمط ما علقته على الصحيحين ، وسنن أبي داود ، وجامع الترمذي ، وهو بذلك حقيق إذ له منذ صنف أكثر من ستمائة سنة ، ولم يشتهر عليه من شرح ولا تعليق ، وسميته زهر الربى على المجتبى ، والله تعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه ، سالما عن الرياء والخطل وشبهه . مقدمة قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروط الأئمة : كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام : الأول : الصحيح المخرج في الصحيحين ، الثاني : صحيح على شرطهما ، وقد حكى أبو عبد الله بن منده أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ، ولا إرسال ، فيكون هذا القسم من الصحيح ، إلا أنه طريق دون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما ، بل طريقه طريق ما ترك البخاري ، ومسلم من الصحيح لما بينا أنهما تركا كثيرا من الصحيح الذي حفظناه . القسم الثالث : أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها ، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة ، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما ؛ لأنه رواية قوم لها واحتجاجهم بها فأورداها ، وبينا سقمها لتزول الشبهة ، وذلك إذا لم يجدا له طريقا غيره لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال ، وقال ابن الصلاح : حكى أبو عبد الله بن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول : كان من مذهب أبي عبد الله النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه .
قال الحافظ أبو الفضل العراقي : وهذا مذهب متسع ، قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في نكته على ابن الصلاح ما حكاه عن الباوردي إن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه ؛ فإنه أراد بذلك إجماعا خاصا ، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط ، فمن الأولى شعبة ، وسفيان الثوري ، وشعبة أشد منه ، ومن الثانية : يحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى أشد من عبد الرحمن ، ومن الثالثة : يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى أشد من أحمد . ومن الرابعة : أبو حاتم ، والبخاري ، وأبو حاتم أشد من البخاري ، فقال النسائي : لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه ، فأما إذا وثقه ابن مهدي ، وضعفه يحيى القطان مثلا ، فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ، ومن هو مثله في النقد ، قال الحافظ ابن حجر : وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ، ليس كذلك فكم من رجل أخرج له أبو داود ، والترمذي ، تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين ، فحكى أبو الفضل بن طاهر ، قال سعد بن علي الزنجاني عن رجل ، فوثقه ، فقلت له : إن النسائي لم لم يحتج به ، فقال : يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ، ومسلم ، وقال أحمد بن محبوب الرملي : سمعت النسائي يقول : لما عزمت على جمع السنن استخرت الله في الرواية عن شيوخ ، كان في القلب منهم بعض الشيء ، فوقعت الخيرة على تركهم ، فتركت جملة من الحديث ، كنت أعلو فيها عنهم . قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر شيخ الدارقطني : من يصبر على ما يصبر عليه النسائي ، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة ، فما حدث عنه بشيء .
قال الحافظ ابن حجر : وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه ، ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها . وقال أبو جعفر بن الزبير : أولى ما أرشد إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده ، وذلك الكتب الخمسة ، والموطأ الذي تقدمها وضعا ، ولم يتأخر عنها رتبة ، وقد اختلفت مقاصدهم فيها وللصحيحين فيها شفوف ، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جميلة ، ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام ، واستيعابها ما ليس لغيره ، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره ، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها . وقال أبو الحسن المعافري : إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره ، وقال الإمام أبو عبد الله بن رشيد كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا ، وأحسنها ترصيفا ، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل ، وفي الجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ، ورجلا مجروحا ويقاربه كتاب أبي داود ، وكتاب الترمذي ، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه ، فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب ، وسرقة الأحاديث ، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم ، مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك ، والعلاء بن زيد ، وداود بن المحبر ، وعبد الوهاب بن الضحاك ، وإسماعيل بن زياد السكوني ، وعبد السلام بن يحيى أبي الجنوب ، وغيرهم .
وأما ما حكاه ابن طاهر ، عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه ، فقال : لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف ، فهي حكاية لا تصح ؛ لانقطاع سندها ، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية ، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر ، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة ، أو ساقطة ، أو منكرة ، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم ، وقال محمد بن معاوية الأحمر الراوي عن النسائي ، قال النسائي : كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول إلا أنه لم يبين علته ، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله ، وذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة ، فقال له الأمير : أكل ما في هذا صحيح ؟ قال : لا ، قال : فجرد الصحيح منه ، فصنف المجتبى ، وهو بالباء الموحدة . قال الزركشي في تخريج الرافعي : ويقال بالنون أيضا ، وقال القاضي تاج الدين السبكي : سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى لا الكبرى ، وهي التي يخرجون عليها الرجال ، ويعملون الأطراف . وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر : قد أطلق اسم الصحة على كتاب النسائي أبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو الحسن الدارقطني ، وأبو عبد الله الحاكم ، وابن منده ، وعبد الغني بن سعيد ، وأبو يعلى الخليلي ، وأبو علي بن السكن ، وأبو بكر الخطيب ، وغيرهم ، وقال الخليلي في الإرشاد في ترجمة بعض الرواة الدينوريين : سمع من أبي بكر بن السني صحيح أبي عبد الرحمن النسائي ، وقال أبو عبد الله بن منده : الذين خرجوا الصحيح أربعة : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وقال السلفي : الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب .
قال النووي : مراده أن معظم كتب الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به ، وقال الزركشي في نكته على ابن الصلاح : تسمية الكتب الثلاثة صحاحا إما باعتبار الأغلب ؛ لأن غالبها الصحاح ، والحسان ، وهي ملحقة بالصحاح ، والضعيف منها ربما التحقق بالحسن ، فإطلاق الصحة عليها من باب التغليب .